في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول مستقبل العملة الوطنية ومدى قدرة الدولة على ضبط إيقاع سوق الصرف، أعلن البنك المركزي العراقي مؤخرًا تخفيض حصة النقد الأجنبي للمسافرين من 3000 دولار إلى 2000 دولار شهريًا، وهو قرار يراه خبراء اقتصاديون أبعد من كونه مجرد تنظيم إداري، بل هو محاولة يائسة للسيطرة على تدفقات العملة الصعبة التي باتت تتسرب إلى جيوب الجماعات المسلحة والمليشيات الخارجة عن القانون.
وتأتي هذه القرارات في ظل أزمة اقتصادية خانقة يعيشها العراق، حيث تتنازع مؤسسات الدولة الرسمية مع مراكز قوى موازية تسيطر على مفاصل الاقتصاد والتهريب، مما جعل المواطن العراقي البسيط يدفع فاتورة الصراعات والفساد الممنهج الذي تفرضه المليشيات المسلحة على حركة النقد والتبادل التجاري، وسط مخاوف من أن تتحول هذه القيود إلى حلقة جديدة في سلسلة الإفقار الممنهج للشعب العراقي.
المليشيات والسيطرة على “شريان” الاقتصاد العراقي
وتكشف التقارير الصادرة عن منظمة “الشفافية الدولية” في تقريرها السنوي لعام 2026، أن الاقتصاد العراقي يعاني من “تغلغل مفرط” للمليشيات في أنظمة التحويلات المالية، حيث تُستخدم شركات الصرافة التابعة لجهات مسلحة كواجهة لغسيل الأموال وتهريب العملة الصعبة إلى الخارج؛ مما أدى إلى تآكل الاحتياطي النقدي للبلاد بشكل مقلق.
وتوثق تقارير أممية صادرة عن بعثة “يونامي” بتاريخ 12 مارس 2026، تورط فصائل مسلحة في فرض “إتاوات” على شركات الاستيراد والتصدير، واستغلال منصة نافذة بيع العملة في البنك المركزي للوصول إلى الدولار بسعر رسمي، ثم إعادة بيعه في السوق السوداء بأسعار مضاعفة، مما خلق فجوة نقدية هائلة أدت إلى انهيار متلاحق في سعر صرف الدينار مقابل الدولار.
ولقد تحولت المليشيات، بحسب تقرير صادر عن مركز “كارنيجي” للشرق الأوسط في يونيو 2026، إلى “دولة داخل الدولة” تفرض هيمنتها على المنافذ الحدودية، مما جعل من الصعب على المركزي العراقي تنفيذ أي سياسة نقدية مستقلة بعيدًا عن ضغوط هذه الجماعات التي تقتات على أزمات العملة.
قرارات البنك المركزي: إصلاح تنظيمي أم هروب إلى الأمام؟
ويرى البنك المركزي العراقي, أن تخفيض حصص الدولار للمسافرين يأتي ضمن مسار “الرقمنة” والتحول نحو الدفع الإلكتروني، زاعمًا أن هذه الخطوة ستعزز الشفافية وتقلل من حركة “الكاش” التي يسهل تهريبها، لكن على أرض الواقع، يرى محللون أن هذه القيود تزيد من معاناة الطبقة الوسطى والفقيرة، بينما تظل منافذ التهريب الكبرى للمليشيات بعيدة عن المساءلة.
وفي تصريح موثق لمسؤول في صندوق النقد الدولي خلال اجتماعات عمان في مايو 2026، تم التأكيد على أن استقرار الدينار العراقي يتطلب تفكيك شبكات الفساد التي تديرها المليشيات، وليس فقط تقييد وصول المواطنين إلى مدخراتهم أو مخصصاتهم للسفر، حيث أن العجز المالي الحقيقي يكمن في “النزيف” اليومي الذي يحدثه تهريب العملة عبر الطرق غير الرسمية التي تسيطر عليها فصائل مسلحة.
إن محاولة المركزي العراقي فرض معايير الامتثال الدولية اصطدمت بجدار المليشيات التي تمتلك شبكات نفوذ واسعة داخل القطاع المصرفي، حيث تشير تقارير استخباراتية غربية إلى وجود بنوك عراقية مملوكة فعليًا لشخصيات قيادية في فصائل مسلحة، تعمل على تمويل أنشطة خارج الحدود تحت غطاء استيراد بضائع وهمية.
أرقام الفساد: كيف ينهبون قوت العراقيين؟
ولا يمكن قراءة أزمة الدولار بمعزل عن قضايا الفساد الكبرى؛ ففي واقعة هزت الرأي العام العراقي، كشفت هيئة النزاهة الاتحادية في مايو 2026 عن وصول حصيلة الفساد في ملفات “مصافي النفط” وتهريب الوقود إلى أكثر من 127 مليار دينار عراقي، وهي أموال كان من المفترض أن ترفد ميزانية الدولة بالعملة الصعبة.
وتؤكد تقارير حقوقية صادرة عن “المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب” في يونيو 2026، أن المليشيات تستحوذ على جزء كبير من إيرادات المنافذ الحدودية في البصرة والأنبار، حيث يتم فرض ضرائب غير رسمية على الشاحنات والبضائع، وتُحول هذه المبالغ فورًا إلى عملة صعبة تُهرّب عبر شركات صرافة متواطئة، مما يمنع وصول الدولار إلى السوق الرسمي ويفاقم الأزمة المعيشية.
وتشير إحصائيات البنك الدولي إلى أن نسبة البطالة بين الشباب العراقي بلغت معدلات قياسية في عام 2026، وذلك بسبب غياب بيئة استثمارية آمنة نتيجة هيمنة المليشيات، التي جعلت من “العملة الصعبة” امتيازًا خاصًا لمن يملكون القوة والسلاح، وليس لمن يملكون الكفاءة والإنتاج.
تظل الأزمة الاقتصادية في العراق مرتبطة عضويًا بضرورة بسط سيادة الدولة على سلاح المليشيات؛ فبدون هذا التفكيك لن تجدي نفعًا أي قرارات إدارية بتخفيض حصص المسافرين أو زيادة مبيعات النافذة، لأن المشكلة ليست في “شح الدولار” بقدر ما هي في “نهب الدولار” من قبل أطراف تعيش على ديمومة الأزمات.

