يواجه العراق اليوم منعطفًا تاريخيًا حاسمًا في رحلته نحو استعادة كامل سيادته الوطنية، حيث وضعت الحكومة العراقية مهلة نهائية تنتهي في 30 سبتمبر المقبل لجميع الفصائل المسلحة، لا سيما تلك المقربة من طهران، لتسليم سلاحها والانضواء بالكامل تحت مظلة الدولة والقانون.
تأتي هذه الخطوة في وقت حساس للغاية، حيث يسود ترقب دولي ومحلي لإجراءات ملموسة يتعهد بها رئيس الوزراء علي الزيدي لإنهاء ظاهرة “السلاح المنفلت” التي أثقلت كاهل الدولة وأضعفت هيبتها، وأدخلت البلاد في دوامة من التوترات الأمنية التي هددت استقرارها الاقتصادي والسياسي.
واقع الانتهاكات: توثيق دولي وحقوقي لجرائم الفصائل المسلحة
تؤكد تقارير الأمم المتحدة، لا سيما تقرير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق “يونامي” الصادر في 2023، وجود مخاوف عميقة بشأن أنشطة الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة، والتي تمارس “الترهيب والعنف الممنهج” ضد الناشطين والصحفيين.
وتشير تقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش” الموثقة إلى وقائع اغتيالات وخطف طالت متظاهري “تشرين”، حيث تؤكد المنظمة في تقريرها الصادر بتاريخ 15 يونيو 2023، أن الإفلات من العقاب ما يزال هو السمة الغالبة على الجرائم المنسوبة لهذه المجموعات، مما يعزز حالة عدم الاستقرار الأمني.
الاقتصاد تحت رحمة السلاح: تداعيات الهجمات على المصالح الدولية
ولم تكن الهجمات التي شنتها الفصائل على المصالح الأمريكية مجرد عمليات عسكرية، بل كانت أدوات ضغط أدت إلى قرارات اقتصادية مؤلمة، حيث علّقت واشنطن المساعدات الأمنية والمدفوعات النقدية لعائدات النفط العراقي.
وأوضح مسؤولون أمريكيون في مايو 2026، أن استئناف هذه المساعدات مشروط بـ “إجراءات ملموسة” من بغداد لإبعاد الفصائل عن مفاصل المؤسسات العسكرية والسيادية، مما يضع الحكومة في مأزق توفير بدائل اقتصادية بعيدًا عن هيمنة الميليشيات.
هل ينتهي نفوذ الفصائل بنهاية مهلة التحالف الدولي؟
وتتخذ بعض الفصائل، مثل “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء”، من وجود التحالف الدولي ذريعة للتمسك بسلاحها، معتبرة أن رحيل التحالف هو الموعد الفاصل لمستقبل هذا السلاح، وهو ما ترفضه الحكومة التي تسعى لتحويل الألوية المسلحة إلى وحدات خاضعة للقرار المركزي.
بالمقابل، شهدنا تحركات شكلية من فصائل أخرى أعلنت تسليم إدارتها لهيئة الحشد الشعبي، وهي خطوة يراها المراقبون محاولة لكسب الوقت وتفادي العقوبات القانونية والمالية التي تفرضها واشنطن على الجهات المرتبطة بالأنشطة العنيفة.
الرهان على السيادة: طريق طويل نحو الاستقرار
إن استعادة الدولة لهيبتها لا يتوقف عند حدود تسليم السلاح، بل يتطلب إعادة هيكلة شاملة للمؤسسة الأمنية، وضمان عدم تغلغل العقائد العابرة للحدود في صلب القرارات الوطنية العراقية.
وعلى الرغم من التحديات الجسيمة، يبقى الشارع العراقي يترقب زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن في يوليو المقبل، أملاً في أن تفتح هذه الزيارة بابًا لاستعادة السيادة المالية، وتخفيف الضغوط عن الاقتصاد المنهك بفعل الصراعات المستمرة.
وشهدت الأعوام الماضية توثيقًا لجرائم متصلة بهذه المجموعات، منها قمع المتظاهرين السلميين في ساحات الاحتجاج منذ عام 2019، وتوثق تقارير منظمة العفو الدولية في مايو 2022 استهدافًا مباشرًا للناشطين، مما تسبب في نزوح الكثيرين منهم خارج العراق خوفاً من التصفية.
وتُظهر البيانات الاقتصادية، أن نفوذ الميليشيات قد امتد ليطال معابر حدودية ومنشآت نفطية، مما يقلص الإيرادات الحكومية ويحولها لصالح قوى موازية للدولة، وهو ما أكدته تحقيقات صحفية دولية حول تهريب الوقود والسيطرة على المنافذ البرية.
إن إصرار الحكومة العراقية اليوم على حصر السلاح هو محاولة متأخرة لكنها ضرورية لمنع البلاد من الانزلاق إلى صدامات داخلية أوسع، خاصة مع تزايد التقارير الأممية التي تحذر من أن استمرار نفوذ الجماعات المسلحة سيحول دون إجراء انتخابات ديمقراطية شفافة أو جذب استثمارات أجنبية حقيقية.
وستبقى قضية السلاح المنفلت هي المعيار الأول لمدى جدية أي حكومة في العراق، فبدون بسط القانون على الجميع دون استثناء، ستظل مؤسسات الدولة رهينة لصراعات القوى المسلحة التي ترفض الخضوع لقرار وطني عراقي مستقل.

