لم يعد النفوذ الإيراني في العراق يفضل الصخب والتشكيلات العسكرية الضخمة التي تكشف العيون عنها، المتغيرات الإقليمية المتسارعة والضربات المتتالية التي تلقتها الفصائل الحليفة لطهران، فرضت واقعًا جديدًا استدعى تغييرًا راديكاليًا في قواعد اللعبة.
وقد تشير المعطيات الميدانية والأمنية إلى أن طهران بدأت بالفعل عملية “إعادة تموضع” صامتة، مستغنية عن الهياكل التقليدية الكبرى لصالح نموذج أكثر مرونة وسرية يعرف باستراتيجية “الخلايا الصغيرة”.
الهيكلة الجديدة، يقودها الحرس الثوري الإيراني، وفقاً لما أوردته رويترز، تأتي كاستجابة ذكية لضغوط غير مسبوقة تهدف إلى محاصرة ما يسمي بـ”محور المقاومة”، لتبدأ طهران في نسج شبكات أمنية محدودة العدد والمهام، قادرة على البقاء والتأثير بعيداً عن الرادارات.
مواصفات “الخلايا الصغيرة”.. عقيدة صلبة وحركة خارج الرادار
وخلف كواليس المشهد العراقي، يجري اختيار عناصر هذه المجموعات بعناية فائقة، ووفق معايير عقائدية وأمنية صارمة لا تقبل الخطأ، السمة الأبرز لهذه الخلايا هي السرية المطلقة والانفصال التام عن الفصائل التقليدية المعروفة في الشارع العراقي، إذ ترتبط بقنوات اتصال مباشرة ومباشرة جدًا مع المشرفين الإيرانيين.
والتحول التكتيكي يمنح طهران ميزتين استراتيجيتين، الأولى المناورة العالية وصعوبة الاختراق أو التتبع من قبل أجهزة الاستخبارات الدولية التي نشطت مؤخرًا في رصد واستهداف قيادات الفصائل ، بينما الثانية، فهي القدرة على مواصلة عمليات “الردع والاشتباك” عبر الطائرات المسيرة دون إلصاق التهمة بالجهات السياسية الحليفة لها في بغداد.
الهروب من الصدام.. كيف فرض الميدان صيغًا بديلة؟
التغيير في التكتيك الإيراني لا ينفصل عن الديناميكيات السياسية داخل العراق نفسه، ففي الآونة الأخيرة، بدأت فصائل عراقية بارزة تغازل العمل السياسي الرسمي، وتتحدث بنبرة هادئة عن الاستعداد لتسليم السلاح وحصر النشاط العسكري تحت مظلة الدولة.
ةالتحول المحيط بالفصائل، المدفوع بضغوط أمريكية وغربية مستمرة على الحكومة العراقية لضبط السلاح المنفلت، وضع الأطراف المرتبطة بطهران في موقف الصدام المباشر مع الدولة وتخريب المكتسبات السياسية، أو البحث عن صيغ بديلة، وهنا جاءت “الخلايا الشبحية” كمخرج مثالي يضمن استمرار النفوذ العسكري لطهران دون إحراج حلفائها في بغداد أو تعريضهم لعقوبات دولية.
وقراءة المشهد بعمق تؤكد أن ما يجري ليس انكماشاً أو تراجعاً للدور الإيراني في بلاد الرافدين، بل هو قراءة واقعية لمتغيرات العصر، فزمن الحشود العسكرية الكبيرة في الشوارع ربما شارف على الانتهاء لتبدأ مرحلة “النفوذ الناعم والخشن في آن واحد” ولكن من خلف الستار.

