ذات صلة

جمع

انقسامات عميقة.. كيف تحولت الخلافات الميدانية بين البرهان ومناوي إلى أزمة سياسية مفتوحة؟

تشهد الساحة السياسية والعسكرية في السودان انعطافات خطيرة تكشف...

تجارة الموت والدمار.. السجل الأسود لحزب الله في تدمير مستقبل الأجيال اللبنانية

لم تكن عقود الهيمنة المسلحة والوصاية السياسية التي فرضها...

إصلاحات هيكلية مؤجلة.. هل تنجح القروض وحدها في إنقاذ المالية العمومية في تونس؟

تخوض الدولة التونسية في الوقت الحالي سباقاً محموماً مع...

بين المركز والأقاليم.. كيف تتعامل دمشق الجديدة مع ملف شمال وشرق سوريا؟

تتوسط الخريطة السورية اليوم رقعة شطرنج معقدة تعج بالتناقضات...

انقسامات عميقة.. كيف تحولت الخلافات الميدانية بين البرهان ومناوي إلى أزمة سياسية مفتوحة؟

تشهد الساحة السياسية والعسكرية في السودان انعطافات خطيرة تكشف عن شقوق عميقة بين قيادة الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان وحركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي.

يأتي هذا التوتر المتصاعد في وقت تعاني فيه البلاد من كارثة إنسانية غير مسبوقة وثقتها المنظمات الدولية والأممية بالأرقام المفزعة والتقارير الميدانية الدقيقة، مما ينذر بتداعيات كارثية على وحدة النسيج الاجتماعي واستقرار الإقليم المضطرب أساسًا وسط صراع محتدم حول السلطة ومسارات المستقبل.

اعتماد الجيش مسارًا سياسيًا جديدًا يستبعد الحركات المسلحة

وفي خطوة وصفت بالخطيرة والتحول الجذري في استراتيجية السلطة القائمة في بورتسودان، اعتمد الجيش السوداني مؤخرًا مسارًا سياسيًا جديدًا لمعالجة الأزمة المتفاقمة في البلاد يستبعد تمامًا الحركات المسلحة، وفي مقدمتها حركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، من أي دور مستقبلي في المشهد السياسي.

حيث تشير المعطيات الميدانية والسياسية الموثقة إلى أن القيادة العسكرية باتت تفضل الانفراد بصياغة الحلول المستقبلية بعيدًا عن الشركاء السابقين في اتفاق جوبا للسلام، وهو ما خلق حالة من التململ والغضب العارم داخل أروقة تلك الحركات التي رأت في هذه الخطوة التفافًا واضحاً على التضحيات والاتفاقيات المبرمة، وسط تحذيرات أممية متواصلة من خطورة تهميش الأطراف الإقليمية والمحلية الفاعلة على استقرار الدولة السودانية المنهكة أصلًا من أتون حرب مستعرة منذ منتصف أبريل من عام 2023.

استياء البرهان من ضعف فعالية قوات مناوي وتصاعد الخلافات الميدانية

لم تكن الخلافات السياسية وليدة اللحظة، بل سبقتها توترات ميدانية عميقة تمثلت في استياء الفريق أول عبدالفتاح البرهان والقيادة العامة للجيش من ضعف الفعالية الميدانية لقوات مناوي، رغم ما قدمته القيادة العسكرية من دعم مادي ولوجستي كبير ومستمر لتلك القوات لتعزيز قدراتها القتالية على الأرض. تؤكد التقارير الواردة من مناطق العمليات العسكرية أن الجيش كان يتوقع مشاركة أكبر وأكثر حسمًا من قبل حلفائه في المعارك الضارية الدائرة في عدد من المحاور الحيوية، إلا أن الأداء الميداني جاء مخيبًا للآمال من وجهة نظر العسكريين، مما دفع قيادة الجيش إلى إعادة حساباتها وتقييم جدوى التحالفات القائمة على الأرض، لتبدأ الفجوة في الاتساع تدريجيًا بين الطرفين وتتحول إلى قطيعة سياسية وعسكرية معلنة.

سحب مناوي لقواته وأزمة المناصب السياسية المرفوضة

وعلى خلفية تأزم الخلافات الجذرية مع البرهان، الذي يرفض بشكل قاطع أي دور سياسي أو تولي مناوي لأي مناصب قيادية رفيعة في المرحلة الانتقالية أو المستقبلية، أقدم مني أركو مناوي على خطوة تصعيدية تمثلت في سحب أجزاء واسعة من قواته من محاور القتال المختلفة.

هذا القرار الاستراتيجي أحدث فراغًا ميدانيًا ملحوظاً وأثار حفيظة قيادة الجيش التي اعتبرت هذا الانسحاب طعنة في ظهر المجهود الحربي العام، في وقت تحاول فيه القوات المسلحة استعادة السيطرة على المناطق الحيوية. لقد أصر البرهان على حصر دور الحركات المسلحة في الجانب العسكري البحت دون أي مكاسب سياسية، وهو ما قوبل برفض تام ومطلق من جانب مناوي الذي كان يطمح في شراكة سياسية حقيقية تليق بحجم قواته وتأثيره التاريخي في الإقليم.

اتهامات التهاون العسكري وتهميش الحركات في المشهد السياسي

يأتي استبعاد البرهان لمناوي من المشهد السياسي والترتيبات المستقبلية على خلفية اتهامات مباشرة وموثقة تلاحق حركة مناوي بالتهاون ورفض المشاركة الجادة في العمليات العسكرية الفاصلة في بعض الجبهات الساخنة.

وفي هذا السياق، تشير تقارير حقوقية دولية، من ضمنها تقارير صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة المعنية بالسودان والتي وثقت مقتل آلاف المدنيين وتصاعد الانتهاكات الجسيمة خلال أعوام 2024 و2025 و2026، إلى أن الأوضاع الإنسانية في إقليم دارفور شهدت تدهورًا مروعًا راح ضحيته الآلاف وسط اتهامات متبادلة بالتقاعس عن حماية المدنيين، مما جعل بقاء تحالف الضرورة العسكري بين الجيش وتلك الحركات أمرًا مستحيلًا ومكلفًا للغاية على المستوى الاستراتيجي.

اتهامات مناوي للجيش بالتنازل عن قضية دارفور في مسارات الحل

في المقابل، لم يقف مني أركو مناوي مكتوف الأيدي أمام حملات الإقصاء الممنهجة، حيث وجه اتهامات صريحة وخطيرة للفريق أول عبد الفتاح البرهان والجيش السوداني بالتنازل عن ثوابت وقضية دارفور الأساسية في مسارات الحل المقترحه لمعالجة الأزمة السودانية الراهنة.

وأكد مناوي في تصريحات موثقة ومواقف سياسية معلنة أن قيادة الجيش تسعى لتسوية سياسية ضيقة على حساب حقوق ومطالب أهل دارفور التاريخية، متخلية عن المكتسبات التي نصت عليها اتفاقيات السلام السابقة.

وتتطابق هذه المخاوف مع تحذيرات أطلقها خبراء الأمم المتحدة المعنيون بالسودان في تقاريرهم الدورية التي أكدوا فيها أن أي تسوية سياسية تُقصي المكونات الاجتماعية والسياسية الرئيسية في الأقاليم المهمشة ستؤدي حتمًا إلى تجدد النزاعات المسلحة وتفتيت وحدة البلاد بشكل كامل، مما يضع مستقبل السودان على المحك في ظل استمرار هذا التعنت السياسي المتبادل.