ذات صلة

جمع

الغذاء كسلاح في الحرب.. اتهامات للجيش السوادني ورسائل عاجلة إلى المجتمع الدولي

يقف السودان اليوم على حافة الهاوية الساحقة مسجلاً أكبر...

بين السلاح والاقتصاد والمفاوضات.. لبنان أمام اختبارات مصيرية

يعيش لبنان واحدة من أشد مراحله التاريخية دموية وتعقيدًا،...

بغداد أمام اختبار قانوني حساس.. كيف تُدار محاكمات معتقلي داعش الأجانب؟

يعود ملف المقاتلين الأجانب ومعتقلي التنظيمات المتطرفة ليطفو على...

المدنيون في قلب الخطر.. كيف تهدد هجمات الحوثيين حياة أطقم السفن التجارية؟

تقف الملاحة الدولية اليوم أمام كارثة محققة واختبار أخلاقي...

صراع داخل طهران.. لماذا تتجدد محاولات إقصاء الرئيس بزشكيان؟

يعيش النظام السياسي في إيران على وقع زلازل خفية...

صراع داخل طهران.. لماذا تتجدد محاولات إقصاء الرئيس بزشكيان؟

يعيش النظام السياسي في إيران على وقع زلازل خفية وصراعات طاحنة بين أجنحة السلطة، حيث يلف الغموض مسار المفاوضات المتعثرة مع واشنطن وسط سيطرة تامة للمتشددين الساعين لتقويض مسار الحكومة الإصلاحية.

وفي خضم الانهيار الاقتصادي المخيف والاضطرابات الجيوسياسية المتلاحقة التي ترصدها التقارير الحقوقية والأممية الموثقة بالأرقام والتواريخ، تتصاعد التهديدات البرلمانية بعزل الرئيس مسعود بزشكيان عبر التلويح بالمادة الثامنة والثمانين من الدستور.

صراع الأجنحة والتهديدات البرلمانية بعزل الرئيس بزشكيان

ويخيم حالة من الغموض والتوتر الشديد على المشهد السياسي في العاصمة الإيرانية طهران، وسط سيطرة واضحة لتيار المتشددين على مفاصل صنع القرار ومحاولاتهم المستمرة لعرقلة أي توجهات دبلوماسية نحو الخارج.

وفي قلب هذا الصراع المحتدم، تجدد الحديث بقوة حول سيناريو عزل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان؛ مما أعاد إلى الأذهان سوابق تاريخية نادرة في عمر الجمهورية الإسلامية.

وتندرج هذه التكهنات التصعيدية ضمن نمط ممنهج لازم بزشكيان منذ تسلمه مقاليد السلطة في أعقاب الانتخابات الرئاسية المبكرة التي جرت عام 2024 إثر مصرع إبراهيم رئيسي، حيث تتصاعد دعوات الاستقالة أو الإقالة بشكل منتظم خلال كل أزمة اقتصادية أو ضغط جيوسياسي تتعرض له البلاد.

وقد اندلعت شرارة الجولة الأخيرة من هذه الحملات المغرضة إثر تصريحات غامضة أدلى بها النائب المتشدد عن مدينة قم، مجتبى زاري، ملوحًا بما وصفه بـ”انقلاب” محتمل أو تحرك سياسي منظم لإسقاط الحكومة.

تقارير أممية وحقوقية ترصد انهيار المعايير الديمقراطية في إيران

حيث تتطابق الصراعات السياسية في كواليس السلطة الإيرانية مع التقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية العالمية المستقلة، والتي وثقت بالأرقام والتواريخ حجم التدهور المستمر في حقوق الإنسان وتقويض المعايير الديمقراطية داخل المؤسسات الإيرانية.

ففي تقرير حديث صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في جنيف، أشار المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران إلى أن استمرار الصراعات الفصائلية وسياسات القمع الممنهج ضد الأصوات المعارضة والنشطاء السياسيين يعكس أزمة حكم هيكلية تعصف بالبلاد منذ سنوات.

ووفقًا لبيانات البنك الدولي والتقارير الاقتصادية الموثقة لعام 2026، فقد تجاوز معدل التضخم في إيران مستويات قياسية غير مسبوقة؛ مما أدى إلى تراجع قيمة العملة الوطنية بشكل كارثي ودفع أكثر من أربعين بالمائة من السكان تحت خط الفقر، في وقت توظف فيه الأجنحة المتشددة مقدرات الدولة لتمويل صراعات إقليمية عوضًا عن معالجة الأزمات المعيشية الطاحنة.

إلى جانب ذلك، وثقت منظمات حقوقية دولية بارزة مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، في تقارير دورية صدرت خلال النصف الأول من عام 2026، وقوع مئات حالات الاعتقال التعسفي ضد الصحفيين والسياسيين الإصلاحيين الذين انتقدوا عجز الحكومة أو حذروا من خطورة سيطرة التيار المتشدد على القرار السيادي.

وتشير التقارير الأممية الموثقة إلى أن استخدام الأجهزة الأمنية والقضائية كأداة لتصفية الخصوم السياسيين والتلويح الدائم بإسقاط المسؤولين التنفيذيين يشكل انتهاكًا صارخًا لمبادئ سيادة القانون واستقلال المؤسسات.

وتؤكد هذه الأرقام والوقائع الرسمية، أن الأزمة السياسية الحالية في إيران ليست سوى انعكاس لواقع مؤسسي مأزوم تعاني فيه الحكومة المنتخبة من حصار مطبق تفرضه مراكز القوى غير المنتخب، مما يعطل أي مسار إصلاحي محتمل ويزيد من عزلة النظام على الصعيدين الإقليمي والدولي.

السوابق التاريخية وأبعاد الصراع على صلاحيات الرئاسة الإيرانية

وعلى صعيد السوابق التاريخية، لا تُعد التهديدات البرلمانية الموجهة ضد الرؤساء الإيرانيين أمرًا جديدًا في أدبيات الجمهورية الإسلامية، بل تمثل نهجاً متكرراً لإخضاع السلطة التنفيذية لرغبات التيار المتشدد. فخلال فترة ولاية أكبر هاشمي رفسنجاني الثانية بين عامي 1993 و1997، واجهت حكومته ضغوطًا سياسية متواصلة ومحاكمات لوزرائه من قِبل المعارضين المحافظين.

كما تعرض الرئيس الأسبق حسن روحاني لتهديدات مستمرة بالمحاكمة والعزل طوال فترة رئاسته، لا سيما من قِبل معارضي انفتاحه الدبلوماسي وتوقيعه للاتفاق النووي مع القوى الكبرى.

وتظل الحالة الوحيدة الناجحة لتاريخ عزل رئيس إيراني محصورة في واقعة إطاحة أبو الحسن بني صدر عام 1981، حين أعلن البرلمان عدم أهليته السياسية خلال ذروة الحرب الإيرانية-العراقية قبل أن يصدر المرشد الأعلى مرسومًا رسميًا بإقالته، وهي واقعة يسعى المتشددون اليوم لاستدعائها وإسقاطها رمزيًا على واقع الرئيس بزشكيان رغم اختلاف الظروف القانونية والسياسية تمامًا.

وفي هذا السياق، انتقد حسن رسولي بشدة المقترحات الداعية إلى عزل بزشكيان أو نقل صلاحيات السلطة التنفيذية إلى النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف، معتبرًا في تصريحات موثقة أن هذه الخطوات تمثل “هجومًا مباشرًا على تماسك الحكم في مستوياته العليا” خاصة في أوقات الأزمات الأمنية العميقة.

ورفض رسولي تمامًا عقد أي مقارنات قانونية بين الوضع الراهن وقضية عزل بني صدر، واصفاً إياها بأنها مجرد “مسرحية سياسية” وليست مسارًا دستوريًا سليمًا.

ويؤكد الخبراء القانونيون الإيرانيون، أن مجرد التلويح الدائم بتفعيل المادة 89 ضد بزشكيان يخدم أغراضًا سياسية خبيثة حتى في غياب الأصوات البرلمانية الكافية لتنفيذ العزل فعليًا؛ إذ يبقى الهدف الأساسي هو إبقاء أهلية الرئيس وموقعيته موضع شك واهتزاز مستمر، وتقييد هامش مناورته المحدود أصلاً في مجالات رسم السياسة الاقتصادية وإدارة العلاقات الدبلوماسية الدولية، مما يكرس هيمنة التيار المتشدد على كامل مقدرات الدولة الإيرانية.

وتؤكد التقارير الأممية والدولية الصادرة عن الهيئات الحقوقية المستقلة، أن استخدام الأجهزة الأمنية والقضائية كأدوات لتصفية الخصوم السياسيين وقمع الأصوات المعارضة يعكس أزمة حكم عميقة تعصف بالبلاد.

وتوضح هذه المعطيات أن الصراعات الفصائلية المستمرة لا تخدم سوى تكريس هيمنة دوائر غير منتخب على مقدرات القرار السيادي، مما يزيد من عزلة النظام الإقليمية والدولية ويضع الاستقرار الداخلي في مواجهة مخاطر انهيار شامل.