ذات صلة

جمع

من طهران إلى بغداد.. خريطة نفوذ الحرس الثوري الإيراني وجرائمه في العراق

في قلب الشرق الأوسط، يقف العراق اليوم أمام اختبار...

“ما بعد الاتفاق”.. لماذا تنتهي معظم مسارات الحوار مع إيران إلى طريق مسدود؟

في أروقة السياسة الدولية، لطالما عُرفت إيران بكونها الطرف...

اليوم في كأس العالم 2026.. مواجهة عربية قوية بين الأردن والجزائر

تتجه أنظار جماهير كرة القدم العربية والعالمية إلى مواجهة...

الحرب تصل الأجواء الروسية.. هجوم أوكراني يوقف مطارات موسكو

تواصل الحرب الروسية - الأوكرانية الدخول في مراحل أكثر...

من طهران إلى بغداد.. خريطة نفوذ الحرس الثوري الإيراني وجرائمه في العراق

في قلب الشرق الأوسط، يقف العراق اليوم أمام اختبار وجودي لم يسبق له مثيل، حيث تشير التقارير الاستخباراتية والتحقيقات السياسية إلى أن مساحات شاسعة من قرار الدولة ومفاصلها الأمنية باتت ترزح تحت وطأة تغلغل “الحرس الثوري الإيراني”.

لم يعد الأمر مجرد نفوذ سياسي تقليدي، بل تحول إلى شبكة معقدة من الخلايا السرية والأذرع العسكرية التي تدير مشهدًا يراه الكثير من العراقيين “دولة داخل الدولة”.

إن هذا الوجود الذي يتجاوز الدبلوماسية، يطرح تساؤلات ملحة حول مصير السيادة العراقية، ومدى قدرة بغداد على التحرر من قبضة طهران التي تسعى لتحويل العراق إلى مجرد ساحة خلفية لمشاريعها التوسعية، متجاهلةً التكلفة الإنسانية والأمنية الباهظة التي يدفعها المواطن العراقي يومياً.

استراتيجية التغلغل: كيف تدار الخلايا السرية في بغداد؟

تعتمد استراتيجية الحرس الثوري في العراق على مبدأ “العمل في الظل”، حيث يتم إنشاء خلايا أمنية واستخباراتية تعمل بالتوازي مع المؤسسات الرسمية ولكن بمرجعية مباشرة لطهران.

هذه الخلايا لا تكتفي بجمع المعلومات، بل تعمل على توجيه القرار السياسي واختراق المنظومات الأمنية العراقية. ومن خلال عمليات “الاستنساخ المؤسساتي”، يتم زرع عناصر موالية للحرس الثوري داخل الأجهزة الحساسة، مما يضمن لهم سيطرة مطلقة على مفاصل الحكم.

إن هذا التغلغل لم يعد خفيًا، بل أصبح ملموسًا في كيفية إدارة الملفات الأمنية، حيث يتم تهميش القيادات الوطنية لصالح شخصيات تدين بالولاء المطلق لمشروع ولاية الفقيه، مما يجعل القرار العراقي رهينة لأي تقلبات في الأجندة الإيرانية.

جرائم التصفية والترهيب: الوجه المظلم للحرس الثوري

خلف شعارات “المقاومة” والولاء الأيديولوجي، يمارس الحرس الثوري الإيراني سلسلة من الجرائم الممنهجة ضد كل من يجرؤ على انتقاد النفوذ الإيراني في العراق.

تشير تقارير حقوقية إلى تورط ميليشيات مرتبطة بشكل وثيق بالحرس الثوري في عمليات اغتيال استهدفت ناشطين، صحفيين، وضباطًا عراقيين رفضوا الانصياع للتعليمات الإيرانية.

إن سياسة الترهيب هذه تهدف إلى خلق حالة من “الصمت الإجباري” في الشارع العراقي، حيث يُدرك الجميع أن معارضة الأذرع الإيرانية تعني الموت أو الاعتقال في سجون سرية لا تخضع لأي رقابة قضائية عراقية، هذه الممارسات ليست إلا تجسيدًا لعقلية استعلائية ترى في العراق مجرد غنيمة يجب تطويعها بالقوة، مهما كلف ذلك من دماء.

الهيمنة على الاقتصاد: تجفيف موارد الدولة العراقية

لا يقتصر طموح الحرس الثوري في العراق على السيطرة العسكرية، بل يمتد ليشمل مفاصل الاقتصاد العراقي. من خلال سيطرة أذرعهم على المنافذ الحدودية، والموانئ، وبعض الشركات الكبرى، استطاع الحرس الثوري خلق “إمبراطورية اقتصادية” موازية تمتص موارد الدولة وتوجهها لتمويل أجندة طهران.

إن تحويل العراق إلى سوق لتصريف البضائع الإيرانية وإغلاق مسارات المنافسة أمام الشركات الوطنية، ساهم في زيادة معدلات الفقر والبطالة، مما يجعل المواطن العراقي يشعر بالغربة في وطنه، وإن هذا النهج لا يخدم الاقتصاد العراقي بأي شكل، بل يعمل على تجفيف منابع القوة المالية للدولة، مما يسهل عملية السيطرة عليها وإبقائها في حالة ضعف دائم تعتمد فيه كليًا على طهران.

تفتيت النسيج الاجتماعي: سلاح الطائفية والولاء الأعمى

لطالما استخدم الحرس الثوري سلاح “التفكيك الاجتماعي” لضمان بقائه في العراق. من خلال تعزيز الانقسامات الطائفية وتغذية الصراعات بين المكونات الوطنية، نجح الحرس الثوري في خلق حالة من الفوضى السياسية التي تمنع قيام دولة قوية وموحدة.

إنهم يعملون على زرع ولاءات تتجاوز الانتماء للوطن، حيث يتم تقديم “الولاء للمرشد الإيراني” كشرط أساسي للعمل السياسي أو الحصول على المغانم.

هذا التفتيت المتعمد للنسيج العراقي هو الجريمة الأكبر، لأنه لا يدمر الحاضر فحسب، بل ينسف أي أمل في بناء مستقبل يقوم على المواطنة والمساواة.

إن طهران تدرك جيدًا أن العراق الموحد والقوي يشكل خطرًا على مشروعها، لذا فإن سياسة “فرق تسد” تظل هي الأداة الأكثر فاعلية في ترسانتها الإجرامية.

إن واقع الحال في العراق يفرض على القوى الوطنية والمجتمع الدولي إدراك حجم المخاطر التي يشكلها استمرار وجود الحرس الثوري الإيراني وإن استعادة السيادة العراقية تتطلب أولاً تفكيك هذه الشبكات السرية وإعادة بناء المؤسسات على أسس وطنية بعيدة عن أي تدخل خارجي، وإن صمود الشعب العراقي في وجه هذه الهيمنة، رغم كل عمليات القمع والترهيب، يعطي مؤشرًا قويًا على أن إرادة الحياة أقوى من كل مشاريع التدمير، ولن يكتب الاستقرار للعراق إلا عندما يخرج قراره من الغرف المغلقة في طهران، ويعود إلى أهله الذين ضحوا بالكثير من أجل وطنٍ حر ومستقل. إنها معركة وجود، وسينتصر فيها في نهاية المطاف صوت الوطن على كل أصوات التبعية والارتهان.