ذات صلة

جمع

إيران.. دولة بوليسية تعيش على “برميل بارود” من الغضب الشعبي المتصاعد

في قلب الشرق الأوسط، تقف إيران كدولة تعيش حالة...

فخ “الأبيض”.. كيف يصنع الجيش السوداني والإخوان رواية استباقية لتبرير معاركهم؟

تتعرض مدينة "الأبيض" في شمال كردفان لمحاولات تطويق إعلامي...

بين التدريب والتسليح.. تفاصيل التغلغل السعودي في العمليات العسكرية السودانية

بينما يترقب العالم بصيص أمل لإنهاء الحرب الأهلية التي...

أسعار العملات أمام الجنيه المصري اليوم الأحد 19 يوليو 2026

شهدت أسعار العملات الأجنبية والعربية أمام الجنيه المصري حالة...

“استراتيجية التعطيل”.. كيف تنسف إيران اتفاقات التهدئة في جنوب لبنان؟

بينما كان العالم يترقب انفراجة وشيكة تضع حدًا لآلة الحرب التي تلتهم مدن وقرى جنوب لبنان، برزت إيران كعنصر عرقلة رئيسي ينسف كل المساعي الدبلوماسية في مهدها. إن الهدوء الذي كان من المفترض أن يسود بموجب الاتفاق الأمريكي-الإيراني تحول إلى سراب.

حيث أثبتت التطورات الميدانية الأخيرة، أن طهران لا تكتفي بتمويل الصراع فحسب، بل تعمل بنشاط على إفشال أي محاولة لإرساء الاستقرار، محولةً الأراضي اللبنانية إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.

الانخراط الإيراني في تعطيل المسارات الدبلوماسية

لم تعد العلاقة بين التصعيد في جنوب لبنان وتصرفات القيادة الإيرانية مجرد تكهنات، بل باتت حقيقة استراتيجية واضحة للعيان. ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تحاول انتزاع التزامات بوقف العمليات العسكرية، كانت طهران تنسحب فجأة من جولة محادثات حاسمة في سويسرا، هذا الانسحاب لم يكن عفويًا، بل جاء كرد فعل مباشر على الضربات الإسرائيلية التي تستهدف البنية التحتية لحزب الله، مما يعكس بوضوح أن إيران ترى في تآكل قدرات وكيلها العسكري خطًا أحمر يمس “أمنها القومي” الخاص، وليس أمن لبنان.

إن هذا الربط القسري يجعل من سيادة لبنان مجرد ورقة للمساومة على طاولة المفاوضات الدولية، حيث ترفض طهران أي اتفاق لا يضمن الحفاظ على ذراعها العسكري في المنطقة.

السياسة الإيرانية: التضحية بالاستقرار من أجل “الأجندة التوسعية”

تتعامل القيادة الإيرانية الجديدة مع لبنان كجزء لا يتجزأ من منظومة نفوذها الإقليمي، وهو ما أدى إلى تفريغ الاتفاقات الدولية من مضمونها. فالاتفاق الذي نص على الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية وحماية وحدة الأراضي اللبنانية، اصطدم بجدار الصد الإيراني الذي يصر على استمرار المواجهة كاستراتيجية دفاعية عن نفوذها.

إن طهران، ومن خلال دعمها غير المحدود لحزب الله، نجحت في تحويل جنوب لبنان إلى منطقة استنزاف دائم، متجاهلةً التبعات الإنسانية والدمار الذي لحق بالبلدات الجنوبية.

وتؤكد التقارير، أن طهران ترى في إضعاف حزب الله تهديدًا وجوديًا لمخططاتها، لذا فهي تدفع باتجاه التصعيد لعرقلة أي جهود لتفكيك البنية التحتية للحزب، حتى لو كان ثمن ذلك بقاء لبنان في حالة حرب دائمة.

التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني

في الوقت الذي تحاول فيه بعض الأطراف تسويق التزامها بالتهدئة، تكشف الوقائع الميدانية عن استمرار طهران في إدارة العمليات من خلف الستار.

إن الهجمات التي تشنها المسيرات والعمليات النوعية لحزب الله لا يمكن فصلها عن التوجيه الإيراني الذي يهدف إلى إرسال رسائل سياسية للولايات المتحدة وإسرائيل بأن “كلمة السر” في الجنوب اللبناني ما تزال في طهران.

وتدرك المؤسسات الاستخباراتية الأمريكية أن اتفاق وقف إطلاق النار يعاني من ثغرات بنيوية، لكونه لا يضع آليات واضحة لإلزام إيران بكبح جماح وكلائها أو التوقف عن إمدادهم بالسلاح، مما يجعل من أي هدنة مجرد استراحة محارب تسبق جولات أعنف من العنف.

خريطة الخروقات الإيرانية: من سويسرا إلى جنوب النبطية

تمتد خروقات إيران لتشمل الجوانب السياسية والميدانية على حد سواء. سياسيًا، عطلت طهران مسار التفاوض عبر انسحابها المتعمد؛ ما أدى إلى شل الحركة الدبلوماسية.

وميدانيًا، تستمر إيران في توفير الدعم اللوجستي والتقني الذي يضمن للحزب القدرة على مواصلة القتال رغم الغارات الإسرائيلية الكثيفة، وإن استهداف بلدات مثل: النبطية، وعربصاليم، ودير الزهراني، وما يتبع ذلك من ردود فعل تصعيدية، يثبت أن الحزب ينفذ استراتيجية إيرانية واضحة تقوم على إبقاء الجبهة مشتعلة لابتزاز القوى الدولية، وبدلاً من أن يكون الهدف حماية لبنان، تحول الهدف إلى حماية استثمارات إيران في المنطقة، مع تجاهل تام للسيادة اللبنانية التي تنتهكها طهران يوميًا عبر إقحام الدولة في صراعات إقليمية لا تخدم سوى النظام الإيراني.

إن التقديرات الأمريكية لا تبشر بخير، حيث تتوقع استمرار العمليات العسكرية لفترة طويلة، بغض النظر عن أي اتفاقيات ورقية.

فالخروقات الإيرانية ليست مجرد حوادث عابرة، بل هي نهج مؤسسي يهدف إلى الحفاظ على حالة “اللا حرب واللا سلم” لإبقاء الدول المجاورة تحت ضغط دائم.

ويبقى المواطن اللبناني هو الضحية الأولى لهذا النهج، حيث يدفع ثمن استراتيجيات طهران التي ترفض الاعتراف بحدود السيادة، وتصر على أن أمنها يبدأ من جنوب لبنان.

وفي ظل غياب ضمانات حقيقية، يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تظل إيران هي المحرك الأساسي لأي توتر، والمستفيد الأول من استمرار الفوضى التي تمنع قيام دولة لبنانية قوية ومستقلة.