ذات صلة

جمع

“ما بعد الاتفاق”.. لماذا تنتهي معظم مسارات الحوار مع إيران إلى طريق مسدود؟

في أروقة السياسة الدولية، لطالما عُرفت إيران بكونها الطرف...

اليوم في كأس العالم 2026.. مواجهة عربية قوية بين الأردن والجزائر

تتجه أنظار جماهير كرة القدم العربية والعالمية إلى مواجهة...

الحرب تصل الأجواء الروسية.. هجوم أوكراني يوقف مطارات موسكو

تواصل الحرب الروسية - الأوكرانية الدخول في مراحل أكثر...

سمية الخشاب تهنئ المنتخب المصري بعد الفوز وتدعم مواجهة إيران

حرصت الفنانة سمية الخشاب على مشاركة الجماهير المصرية فرحتها...

“ما بعد الاتفاق”.. لماذا تنتهي معظم مسارات الحوار مع إيران إلى طريق مسدود؟

في أروقة السياسة الدولية، لطالما عُرفت إيران بكونها الطرف الأكثر مراوغة في مسارات التفاوض، حيث لا تهدف طهران من وراء أي حوار إلى الوصول لنتائج نهائية أو بناء جسور من الثقة، بل تسعى لتحويل الطاولات الدبلوماسية إلى ساحات للمناورة وكسب الوقت.

حيث يجد المراقبون الدوليون أنفسهم دائمًا أمام معضلة متكررة، فما إن يبدأ مسار تفاوضي جديد حتى تُفاجئ طهران العالم بسلسلة من التعقيدات التي تفرغ الحوار من مضمونه، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة الأجندة الإيرانية التي تعتمد “الاستقرار المتوتر” كأداة بقاء، متجاهلةً التبعات الاقتصادية والسياسية التي يعاني منها شعبها، ومصرةً على المضي قدمًا في نهج لا يعترف بقواعد القانون الدولي أو حسن الجوار.

عقيدة «البازار» السياسي: التفاوض من أجل الوقت

تعتمد طهران في إدارتها للملفات الخارجية على ما يمكن تسميته بـ “دبلوماسية البازار”، حيث لا يتم طرح المطالب بهدف التوصل لاتفاق بقدر ما تُطرح لرفع سقف المساومات.

إن تاريخ المفاوضات الإيرانية، سواء المتعلق بالملف النووي أو بالأنشطة الإقليمية، يؤكد أن النظام يستخدم فترات الهدوء الناتجة عن الحوار لإعادة ترتيب أوراقه العسكرية وتمويل ميليشياته المنتشرة في دول الجوار.

هذا السلوك يجعل من كل اتفاق مجرد “هدنة مؤقتة” تسبق جولة تصعيد جديدة، مما يخلق حالة من الإحباط لدى الوسطاء الدوليين الذين يكتشفون دائمًا أنهم كانوا جزءًا من لعبة زمنية، بينما كانت طهران تخطط لخطواتها القادمة بعيدًا عن أضواء قاعات الاجتماعات.

ازدواجية الخطاب: بين الدبلوماسية وحروب الظل

من أكثر النقاط إثارة للجدل في السلوك الإيراني هو الفجوة الشاسعة بين تصريحات المسؤولين الإيرانيين في المحافل الدولية وبين ما يحدث فعليًا على الأرض. بينما يدعو الدبلوماسيون الإيرانيون إلى الحوار واحترام السيادة، تستمر الأذرع العسكرية في تقويض استقرار الدول العربية عبر تمويل وتسليح الميليشيات التي تعيث فسادًا في دول مثل لبنان واليمن والعراق.

هذه الازدواجية ليست عشوائية، بل هي استراتيجية ممنهجة تهدف إلى إضعاف الدول الوطنية من الداخل، مما يمنح طهران ورقة ضغط قوية تلوح بها عند كل طاولة مفاوضات، محولةً أزمات الشعوب إلى مجرد “أوراق لعب” لتعزيز موقفها في أي حوار مقبل.

اختطاف القرار الوطني: لبنان كنموذج للمأساة

لا يمكن فهم سبب فشل الحوار مع إيران دون النظر إلى تأثيرها المباشر على الدول التي تعاني من هيمنة ميليشياتها. في لبنان، على سبيل المثال، يظهر بوضوح كيف أن القرار الوطني أصبح رهينة للأجندة الإيرانية، حيث يتم تعطيل مؤسسات الدولة ومنع الحلول السياسية للأزمات المعيشية والاقتصادية لمجرد خدمة مصالح طهران الإقليمية.

إن تحويل الدولة اللبنانية إلى منصة للتهديدات العسكرية يعكس طبيعة النظام الإيراني الذي لا يرى في شركائه في المنطقة سوى ساحات خلفية لتمدده، مما يجعل أي حوار مع هذا النظام حول “الاستقرار” يبدو وكأنه حوار مع الطرف الذي يمسك بفتيل الأزمة في الوقت ذاته.

استراتيجية التهديد: التلاعب بأمن الملاحة

تستخدم طهران أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز كأداة ابتزاز دائمة في وجه المجتمع الدولي. إن التهديدات المتكررة بإغلاق المضيق أو التعرض لناقلات النفط تعكس عقلية لا تؤمن بالحلول الدبلوماسية إلا إذا كانت تحقق مطالبها المباشرة.

هذا النهج التخريبي يهدف إلى دفع العالم نحو تقديم تنازلات سياسية أو اقتصادية مقابل “التهدئة”. وبدلاً من أن تكون إيران عنصرًا فاعلاً في أمن المنطقة، اختارت أن تكون “عامل تهديد” دائم، مستغلةً حساسية الموقع الجغرافي لفرض شروطها، وهو ما يفسر لماذا تنتهي معظم المسارات التفاوضية بطريق مسدود، فالطرف الذي يضع سكينًا على رقبة الآخر لا يبحث عن شراكة، بل يبحث عن خضوع.

إن التساؤل حول ما إذا كانت هناك فرصة لحوار مثمر مع إيران يظل معلقًا في ظل غياب أي تغيير في السلوك الاستراتيجي لطهران، طالما استمر النظام في تغليب مصالح الأيديولوجيا على مصالح الدولة، وطالما ظلت الميليشيات هي الذراع الطولى للسياسة الخارجية الإيرانية، فإن مسارات الحوار ستظل محكومة بالفشل، وإن العالم اليوم بات يدرك أن التعامل مع طهران يتطلب أكثر من مجرد اجتماعات دورية؛ يتطلب ردًا حازمًا يضع حدًا للسياسات العدائية. فالعدالة في المنطقة لا يمكن أن تتحقق بينما يستمر طرف في اعتبار الفوضى أداة لترسيخ نفوذه، معتقدًا أن مراوغاته السياسية ستظل قادرة على تضليل المجتمع الدولي إلى الأبد.