في الوقت الذي كانت فيه الشعوب تطمح إلى بناء دولة القانون والمؤسسات، انزلق السودان نحو هوة سحيقة من الفوضى والاضطراب، حيث توارت العدالة خلف أصوات المدافع وغارات الطيران، لتسود شريعة القوة فيما يشبه “قانون الغاب”.
فمنذ اندلاع النزاع في منتصف أبريل 2023، تشير تقارير حقوقية دولية ومحلية إلى أن السلطة العسكرية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان قد تخلت عن دورها في حماية المدنيين، لتتحول الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى أدوات لقمع التطلعات الشعبية وتكريس واقعٍ تتلاشى فيه حقوق الإنسان وتُغيب فيه المحاسبة، تاركةً ملايين السودانيين يواجهون مصيرًا مجهولاً وسط غياب كامل لأي مظلة قانونية تحميهم من آلة الحرب المفرطة.
تآكل المؤسسات العدلية واغتيال العدالة
لم يقتصر الانهيار في السودان على البنية التحتية والمرافق الخدمية فحسب، بل امتد ليشمل الركن الأهم في أي مجتمع وهو “المنظومة العدلية”، تحت حكم البرهان، شهدت المحاكم والنيابات شللاً تامًا، حيث أُغلقت أبوابها أمام ضحايا الانتهاكات، وأصبحت العدالة حلماً بعيد المنال.
إن هذا الغياب المتعمد للمؤسسات القضائية خلق بيئة خصبة لانتشار الجرائم دون رادع، حيث تُرتكب الانتهاكات في وضح النهار في ظل حصانة مطلقة لقوات الجيش، وإن تعطل مسارات التقاضي جعل من حياة المواطن السوداني سلعة رخيصة، إذ لا توجد جهة مستقلة يمكن اللجوء إليها لإنصاف المظلومين أو محاسبة المتورطين في جرائم القتل والنهب والاعتقال التعسفي.
القصف الجوي وسياسة الأرض المحروقة
تُعد العمليات الجوية التي تنفذها قوات الجيش بقيادة البرهان واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل والحزن، حيث أدت الغارات المكثفة على الأحياء السكنية والأسواق إلى سقوط أعداد هائلة من المدنيين، بينهم أطفال ونساء.
وتؤكد تقارير موثقة، أن هذه الغارات لا تميز بين أهداف عسكرية وأخرى مدنية، مما يرقى لمصاف جرائم الحرب.
إن اتباع سياسة “الأرض المحروقة” في مدن مثل الخرطوم ودارفور، أدى إلى نزوح ملايين السودانيين، وتحويل حياتهم إلى جحيم في مخيمات تفتقر لأدنى مقومات الحياة، بينما تستمر القيادة العسكرية في تبرير هذه الضربات بذريعة حماية الدولة، متجاهلةً التكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفعها المدني العزل.
الاعتقالات التعسفية والتعذيب الممنهج
في معتقلات تسيطر عليها القوات المسلحة، يتم احتجاز آلاف المدنيين والنشطاء دون تهم واضحة أو إجراءات قانونية عادلة. تصف منظمات حقوقية هذه المراكز بأنها “سجون سرية” تُمارس فيها أشكال قاسية من التعذيب النفسي والجسدي.
لقد تحول جهاز الأمن والاستخبارات العسكرية في عهد البرهان إلى أداة ترهيب تستهدف كل من يعارض الحرب أو يطالب باستعادة الحكم المدني.
إن إخفاء الأشخاص قسريًا ومنعهم من الاتصال بذويهم أو بمحامين يمثل انتهاكًا صارخًا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي وقع عليها السودان، مما يعزز التساؤلات حول مدى التزام قيادة البرهان بأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني.
الاستغلال العسكري للموارد والمعاناة الإنسانية
تتفاقم معاناة السودانيين في ظل استمرار البرهان في تسخير مقدرات الدولة لتمويل الحرب، بدلاً من توجيهها لإغاثة المتضررين، وإن السيطرة على المعابر الإنسانية وفرض قيود على دخول المساعدات الدولية إلى المناطق الأكثر تضررًا، ساهم في انتشار المجاعة وتفشي الأوبئة.
هذه الممارسات لا تعكس فقط إخفاقًا في إدارة الأزمة، بل تشير إلى تعمد في استخدام الجوع وسيلة لتركيع السكان. وبينما تتسع رقعة الفقر والنزوح، يبقى السؤال المشروع: إلى متى سيظل المواطن السوداني وقودًا لصراع سلطة لا ناقة له فيه ولا جمل، في ظل نظام أثبت عجزه عن تقديم بديل غير الدمار؟
إن ما يشهده السودان اليوم من انهيار تام للمنظومة القانونية وتغول عسكري على حقوق المدنيين، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية. إن استمرار البرهان في السلطة وسط هذا الركام من الجرائم والانتهاكات الموثقة، يكرس واقعًا مرعبًا للأجيال القادمة ولن يستقيم حال السودان دون العودة إلى مسار العدالة الانتقالية، ومحاسبة كل المتورطين في إهدار دماء السودانيين وتدمير وطنهم.
إن التاريخ لن يغفر لمن تسبب في هذا الانهيار، والعدالة، وإن تأخرت، تظل المطلب الأساسي لاستعادة كرامة السودان وشعبه الذي ما يزال يقاوم من أجل غدٍ أفضل بعيدًا عن صراعات الجنرالات.

