في قلب المشهد الدامي الذي يعصف بجنوب لبنان، تبرز قرية “زوطر الغربية” اليوم شاهدًا حيًا على واحدة من أقسى مآسي العصر الحديث التي خطتها أيدي الميليشيات المدعومة إقليميًا.
فبين شوارع تحولت إلى أطلال وركام، ومنازل مهدومة تخلو من أبسط مقومات الحياة، كالمياه والكهرباء، تتكشف تدريجيًا الفاتورة الباهظة والمدمرة للجرائم والسياسات الرعناء التي ارتكبها حزب الله بحق أبناء الشعب اللبناني.
ومع بدء انتشار وحدات الجيش اللبناني لتفكيك العبوات الناسفة ومصادرة ترسانة السلاح غير الشرعي، تقف الدولة اللبنانية وجيشها الوطني أمام اختبار مصيري وتاريخي لا يحتمل التراجع؛ فإما بسط سلطة القانون المطلقة على كامل التراب الوطني، وإما الاستمرار رهائن في سجن الميليشيات الذي أودى بمقدرات الوطن وشرّد أهله في مهب الريح.
الكارثة العمرانية في زوطر الغربية
تؤكد التقارير الميدانية والبيانات الصادرة عن المجالس البلدية والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية أن ما تعرضت له قرى جنوب لبنان، وتحديدًا زوطر الغربية، لم يكن مجرد أضرار جانبية لعقود من التوتر، بل هو نتاج مباشر وممنهج لاستخدام حزب الله للمناطق المدنية كمربعات أمنية ومخازن للأسلحة والأنفاق الهجومية.
وفي هذا السياق، صرح رئيس بلدية زوطر الغربية، عبد عز الدين، في تقارير موثقة، بأن الحرب والاشتباكات العبثية التي أشعلتها الميليشيا أسفرت عن تدمير نحو 75% من مباني البلدة كليًا أو جزئيًا، لتتحول الأحياء السكنية العامرة إلى أطلال ومقابر للصمت. ولا تزال آثار جنازير الآليات العسكرية وعبارات التهديد والخراب تملأ الجدران، بينما يحرم الاحتلال الميليشياوي الأهالي من الوصول الآمن إلى ممتلكاتهم.
وتشير تقارير حقوقية وأممية صادرة عن لجان مراقبة الأوضاع الإنسانية في لبنان إلى أن سياسات حزب الله في اتخاذ المدنيين دروعًا بشرية، ونصب منصات الصواريخ ومخازن الذخيرة وسط التجمعات السكنية المدنية، تشكل جرائم حرب وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
وتوضح التقارير الموثقة بالتواريخ والأرقام الحديثة أن آلاف العائلات في الجنوب اللبناني وجدوا أنفسهم فجأة بلا مأوى ولا مصادر رزق، نتيجة لتعنت قيادة الحزب ورفضها تسليم سلاحها للدولة اللبنانية، مفضلة الزج بالمواطنين العزل في أتون صراعات إقليمية دموية لا علاقة لهم بها، وهو ما أدى إلى تفاقم أزمة النزوح الداخلي وانهيار ما تبقى من مقومات الاقتصاد المعيشي في الجنوب.
تفكيك العبوات ومصادرة السلاح غير الشرعي
في ظل هذا المخاض العسير، يمثل بدء انتشار وحدات الجيش اللبناني في زوطر الغربية، بموجب اتفاقيات الإطار الدولية والضغوط الأمريكية لوقف إطلاق النار ونزع سلاح الميليشيات، بارقة أمل وحيدة لعودة الحياة واستعادة هيبة الدولة.
ومنذ دخول القوات المسلحة إلى البلدة، شرعت فرق الهندسة والجرافات العسكرية التابعة للجيش في رفع الركام وفتح الطرق المغلقة، وإجراء عمليات مسح شاملة أسفرت عن مصادرة كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، وتفكيك عدد من العبوات الناسفة والأنفاق الحربية التي تركها حزب الله خلفه. وأكد جندي من الوحدات المنتشرة، في تصريحات صحفية ميدانية موثقة، أن مهام الجيش ترتكز حصرًا على حماية المواطنين الأبرياء وتطهير القرى من مخلفات العبث العسكري للميليشيات.
وعلى الرغم من القيود والعراقيل التي تفرضها الأطراف المجاورة، لا سيما في زوطر الشرقية المتاخمة، حيث تتواجد آليات الاحتلال، أثبتت التجربة الميدانية في زوطر الغربية أن المواطن اللبناني بات متعطشًا لوجود مؤسسات الدولة الشرعية.
تحديات بسط السيادة ومخاوف غدر الميليشيات: هل ينجح اختبار الدولة؟
يجمع الخبراء العسكريون والمحللون الاستراتيجيون على أن تجربة “زوطر الغربية” تمثل اختبارًا نموذجيًا وصعبًا للغاية لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها ونزع سلاح حزب الله في عموم مناطق الجنوب.
كما تبرز تحديات قانونية وأمنية جسيمة، أبرزها افتقار الجيش اللبناني إلى غطاء قضائي واسع يخول له دخول المنازل الخاصة لتفتيشها والبحث عن مخازن الأنفاق والأسلحة السرية التي تخفيها الميليشيا.
وتؤكد مصادر قضائية مطلعة أن هناك نقاشات جادة تُدار في كواليس المؤسسات الرسمية لمنح الجيش صلاحيات استثنائية طارئة لتفتيش الممتلكات المشبوهة إذا اقتضت الضرورة الأمنية العليا للبلاد، خاصة مع تزايد الشكوك حول نوايا حزب الله ومحاولاته المستمرة للالتفاف على اتفاقيات نزع السلاح وإعادة نشر عنابره السرية تحت غطاء واجهات مدنية وهمية.
إن المجتمع الدولي، ممثلًا في مجلس الأمن والجهات الأممية المعنية، يراقب بحذر شديد مدى جدية السلطات اللبنانية في استكمال هذا المسار، وسط مطالبات حقوقية ودولية بضرورة فرض عقوبات صارمة على قيادات الحزب وتجريم أفعالهم الإرهابية التي دمرت لبنان وحولت جنوبه إلى ساحة حروب مفتوحة، مما يجعل اقتلاع جذور هيمنة الميليشيا الشرط الأساسي الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من دولة المؤسسات.

