تخوض الدولة التونسية مسارًا شاقًا ومحفوفًا بالتحديات الهيكلية والمالية في محاولة حثيثة لاستعادة التوازن الاقتصادي وحماية سيادتها المالية من الانهيار.
كواليس تقرير «فيتش» وسداد سندات الـ700 مليون
وتُظهر التقارير الصادرة عن وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية في النصف الثاني من عام 2026، أن الاقتصاد التونسي أظهر صمودًا ملحوظًا من خلال سداد سند اليورو الوحيد القائم بقيمة 700 مليون يورو بالكامل في شهر يوليو الماضي، بدعم وتدخل من البنك المركزي لتجنب أي تعثر محتمل.
ومع ذلك، تشير الوكالة إلى أن عجز الحساب الجاري مرشح للاتساع إلى 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2026 نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة عجز الميزان التجاري، رغم النمو القوي لصادرات زيت الزيتون بنسبة 44% على أساس سنوي.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر أن تثبيت التصنيف عند «B-» يمنح تونس مرونة واستقرارًا في الأسواق الخارجية لتعبئة موارد إضافية وقروض ميسرة، بينما أشارت المصادر إلى أن عملية سداد الديون تمت تحت ضغوط قاسية جاءت على حساب الاستثمار العمومي، محذرًا من ضرورة التحكم في عجز الميزانية لضمان ديمومة التعافي.
كيف دمرت سياسات التنظيم الإخواني البنية الاقتصادية وراكمت أزمات العجز؟
وعلى الصعيد البنيوي والسياسي، تؤكد الدراسات الاستراتيجية أن الأزمات الاقتصادية الحالية والضغوط المالية الهيكلية التي تعاني منها تونس تعود في جذورها إلى الإرث الثقيل وسياسات التخريب وسوء الإدارة التي ارتكبتها حكومات حركة النهضة الإخوانية طوال العقد الماضي.
فقد أدت سياسات الاستنزاف والفساد الممنهج إلى ضرب قطاعات الإنتاج، وتعطيل مشاريع البنية التحتية، وإغراق البلاد في ديون خارجية باهظة دون مردود تنموي حقيقي.
وتشير التقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث لعام 2026 إلى أن إخوان تونس سعوا باستمرار لإجهاض أي مسار إصلاحي يهدف إلى تطهير مؤسسات الدولة وتحقيق الانتقال الاقتصادي العادل؛ مما جعل الاقتصاد التونسي عرضة لهشاشة مفرطة أمام تقلبات الأسواق العالمية وأسعار الطاقة، وحرم الأجيال القادمة من ثمار التنمية والاستقرار.
تقارير الأمم المتحدة ومفوضية حقوق الإنسان
وتوثق التقارير الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومنظمات الإغاثة الدولية لعام 2026 التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للضغوط الاقتصادية على مستويات المعيشة والعدالة الاجتماعية في مختلف المحافظات التونسية.
وتشير البيانات الإحصائية إلى أن تفاقم عجز الميزان التجاري، الذي بلغ نحو 5 مليارات دولار (14.9 مليار دينار) حتى يوليو 2026 بزيادة تجاوزت 25% مقارنة بالعام السابق بفعل ارتفاع واردات الطاقة والمواد الغذائية، ألقى بظلال ثقيلة على القدرة الشرائية للمواطنين.
وتشدد المنظمات الدولية على أن حماية الفئات الهشة تتطلب تكثيف جهود الإصلاح الهيكلي، ومحاربة الفساد والاحتكار، وتوجيه الدعم نحو قطاعات الإنتاج والتشغيل الحقيقي لتحقيق التنمية المستدامة وصون السلم الاجتماعي.
حتمية إصلاح المالية العامة وبناء اقتصاد قوي
تتويجًا للقراءات الاقتصادية والسياسية للمشهد التونسي الراهن، يجمع الخبراء والمحللون على أن تثبيت وكالات التصنيف الائتماني مثل «فيتش» و«موديز» لتصنيف تونس بنظرة مستقرة يمثل فرصة ذهبية يجب استغلالها بحزم للانتقال الفوري من اقتصاد يعتمد على الاستهلاك إلى اقتصاد يرتكز على الإنتاج والاستثمار.
وتتطلب خارطة طريق الإنقاذ الوطني مواصلة الانضباط المالي، وترشيد الواردات، وتعزيز مخزون العملة الأجنبية، إلى جانب اجتثاث بقايا النفوذ الإخواني وشبكات الفساد التي عرقلت مسيرة التنمية طويلاً.
إن تضافر الجهود الوطنية والدولية لدعم الإصلاحات الشاملة يعد الضمانة الوحيدة لضمان استقرار المالية العمومية، وفتح آفاق جديدة للنمو الذي بلغ 2.4% في النصف الأول من 2026، نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهاراً للشعب التونسي.
وتمثل الخلفية السياسية والاقتصادية لتونس محطة بالغة التعقيد في مسار الانتقال الوطني، لا سيما بعد عقود من السياسات العشوائية والإرث الثقيل الذي خلّفه حكم تنظيم النهضة الإخواني، والذي أدى إلى استنزاف مقدرات الدولة وإغراقها في دوامة الديون والعجز الهيكلي.
وتشير التقارير الأممية والدولية المتلاحقة إلى أن تركة الفساد وسوء الإدارة أفرزت تحديات جسيمة أمام المالية العامة والقدرة الشرائية للمواطنين.
إن نجاح الدولة التونسية اليوم في الحفاظ على استقرار تصنيفها الائتماني وسداد التزاماتها الخارجية وسط ظروف إقليمية وعالمية ضاغطة، يثبت حتمية مواصلة مسار الإصلاح الشامل، واجتثاث جذور النفوذ الميليشياوي والحزبي المعطل للتنمية، والتحول الجذري نحو اقتصاد الإنتاج والاستثمار لضمان بناء دولة السيادة والمؤسسات وتحقيق تطلعات الشعب التونسي المشروعة في الاستقرار والازدهار.

