لم يعد خفيًا على المراقبين للشأن اللبناني أن دولة الأرز تعيش واحدة من أقسى مراحل تاريخها الحديث، محاصرةً بين مطحنة الانهيار المالي غير المسبوق وسندان الوصاية المسلحة التي فرضها حزب الله على القرار الوطني برمته.
وفي الوقت الذي يعاني فيه المواطن اللبناني الأمرين لتأمين أبسط مقومات العيش الكريم، تشير التقارير الصادرة عن البنك الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية إلى أن البنية التحتية والنسيج الاجتماعي والاقتصادي في لبنان قد تعرضا لدمار هائل قُدر بمليارات الدولارات، نتيجة ارتباط القرار العسكري والأمني للحزب بالأجندات الاستراتيجية الإيرانية بعيدًا عن مصلحة الشعب اللبناني ومؤسساته الدستورية.
إن هذا الاختطاف الممنهج لسيادة الدولة جعل من لبنان رهينةً دائمة في صراعات إقليمية لا غاية له فيها سوى خدمة مصالح طهران، وسط عجز مستمر عن تحقيق الإصلاح المنشود أو بناء دولة المؤسسات والقانون.
خسائر بمليارات الدولارات ودمار شامل توثقه تقارير البنك الدولي والأمم المتحدة
تُظهر البيانات والتقارير الصادرة عن البنك الدولي ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أن العمليات العسكرية والتوترات المستمرة التي أشعل فتيلها حزب الله قد كبّدت الاقتصاد اللبناني خسائر مادية مفزعة تجاوزت 14 مليار دولار، منها مليارات خصصت للأضرار الجسيمة التي لحقت بالمنشآت الحيوية والبنى التحتية في جنوب البلاد ومناطق البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.
ووثقت تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش نزوح أكثر من مليون مدني وتدمير عشرات الآلاف من الوحدات السكنية كليًا أو جزئيًا؛ مما أدى إلى أزمة إنسانية غير مسبوقة ضاعفت من معدلات الفقر متعدد الأبعاد لتمس الغالبية العظمى من السكان.
وتؤكد هذه الأرقام الدامغة أن خيارات حزب الله الأحادية في فرض قواعد تعشيق عسكرية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني قد جرت لبنان إلى أتون دمار هيكلي يعجز الاقتصاد الوطني الضعيف عن احتماله، متجاوزة كافة الاعتبارات الإنسانية والوطنية لحماية المدنيين والأعيان المدنية.
تقويض سيادة الدولة وتعطيل المؤسسات الدستورية لصالح السلاح الموازي
لا تقتصر تداعيات هيمنة حزب الله على الجانب المادي والاقتصادي فحسب، بل تمتد لتضرب في عمق الكيان السياسي والدستوري للبنان، حيث عمل الحزب طوال السنوات الماضية على تعطيل الاستحقاقات الدستورية، وفرض أعراف سياسية شلت عمل الحكومات وأضعفت السلطة القضائية والرقابية.
وتشير التحليلات السياسية والتقارير الدبلوماسية الموثقة إلى أن وجود منظومة عسكرية أمنية موازية لمؤسسات الدولة الشرعية قد جرد الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي من القدرة الفاعلة على بسط سيادتكاملة على الأراضي اللبنانية، لا سيما تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة مثل القرار 1701.
إن إصرار حزب الله على الاحتفاظ بترسانة ضخمة من الأسلحة خارج إطار الدولة والقرار الرسمي يمثل تحديًا سافرًا لمبدأ احتكار السلطة الحصرية للقوة المسلحة، ويضع لبنان باستمرار تحت طائلة التهديدات الخارجية والتدخلات السافرة التي تمليها مصالح النظام الإيراني الإقليمية على حساب أمن وسلامة المواطنين اللبنانيين.
الاقتصاد الرديف وشبكات التهريب التي أفلست الخزينة العامة
في الوقت الذي يرزح فيه الشعب اللبناني تحت خط الفقر وتتآكل قيمة رواتب الموظفين بفعل التضخم المفرط وانهيار القطاع المصرفي، أنشأ حزب الله شبكات اقتصادية موازية ومستقلة عن الاقتصاد الرسمي، شملت قطاعات للتمويل والتهريب عبر الحدود ومؤسسات تجارية ومالية تعمل خارج الرقابة القانونية والضريبية للدولة.
لقد أشارت تقارير رقابية محلية ودولية إلى أن هذه الشبكات أسهمت بشكل مباشر في استنزاف موارد العملة الصعبة، وضرب المنافسة الشريفة في الأسواق المحلية، وحرمان خزينة الدولة من إيرادات جمركية وضرائبية ضخمة كانت كفيلة بتمويل شبكات الأمان الاجتماعي وقطاعات الصحة والتعليم.
إن تكريس هذا الاقتصاد غير الشرعي يعكس استراتيجية ممنهجة لإضعاف مؤسسات الدولة المركزية وجعل المواطنين أكثر اعتمادًا على شبكات الرعاية الحزبية المرتبطة بالتمويل الخارجي، مما يُفرغ مفهوم المواطنة من مضمونه الوطني الحقيقي ويحول المجتمع اللبناني إلى مجتمع ممزق ومكبل بالولاءات الضيقة.
أصوات لبنانية متصاعدة تطالب بتطبيق القرارات الأممية واستعادة القرار الوطني
أمام هذا المشهد القاتم من الانهيار المتسارع وفقدان المقومات الأساسية للحياة الكريمة، ترتفع الأصوات السياسية والشعبية في لبنان مطالبة بضرورة إحداث تغيير جذري ينهي حالة الوصاية الخارجية ويستعيد الدولة لسيادتها وقرارها المستقل.
وتركز المطالب الوطنية والدولية المتكررة، التي تضمنتها قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالتمديد لقوات اليونيفيل ودعم مؤسسات الجيش اللبناني، على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة وحدها، ووقف كافة الأنشطة العسكرية التي تفرضها الأجندات الإقليمية دون تفويض دستوري.
إن الخروج من النفق المظلم الذي وضع فيه حزب الله البلاد يتطلب التزامًا جادًا بتنفيذ الإصلاحات الهيكلية، ومحاربة الفساد، وإخضاع القرار الاستراتيجي للسلطة التنفيذية والتشريعية المنتخبة، لضمان مستقبل آمن ومستقر للأجيال اللبنانية القادمة التي تستحق وطنًا سيدًا حرًا ومستقلاً بعيدًا عن حروب الوكالة والدمار.

