تدخل حركة الملاحة في مضيق هرمز مرحلة جديدة من التشدد الأمني، مع إعادة الولايات المتحدة تنظيم الحماية الجوية التي توفرها للسفن التجارية، في محاولة لتحقيق توازن بين تأمين ناقلات النفط وتقليص الكلفة العسكرية المرتفعة الناتجة عن إبقاء الطائرات المقاتلة في حالة جاهزية مستمرة.

وبموجب الترتيبات الجديدة، أبلغت سفن تجارية وناقلات نفط بضرورة تنظيم عبورها للمضيق وفق مواعيد محددة، من بينها بدء الرحلات في ساعات الصباح، بعدما أظهرت التطورات الميدانية أن الإبحار خلال فترات الظلام بات أكثر خطورة في ظل تصاعد التهديدات التي تواجه السفن التجارية.
ولا يبدو تحديد مواعيد العبور مجرد إجراء تنظيمي، بل يعكس إعادة توزيع للموارد العسكرية الأميركية بحيث تتركز الحماية في فترات زمنية ومسارات محددة، بدلًا من توفير تغطية جوية واسعة ومستمرة للسفن طوال ساعات الليل.
الحماية الجوية تتقلص.. والولايات المتحدة تبحث عن معادلة أقل كلفة
وكانت واشنطن قد بدأت منذ مايو توفير غطاء جوي للسفن التي تسلك ممرًا ملاحيًا بمحاذاة الساحل العماني في الجزء الجنوبي من مضيق هرمز، بهدف حماية حركة الشحن والإبقاء على جزء من تدفقات الطاقة عبر واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وكانت السفن الراغبة في الاستفادة من الحماية الأميركية تتواصل مع مركز التنسيق البحري التابع للبحرية الأميركية، الذي يحدد لها مسار العبور ويمنحها نافذة زمنية مناسبة للإبحار تحت المراقبة الجوية.
لكن استمرار هذا النمط من الحماية يفرض عبئًا كبيرًا على القوات الأميركية، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة تشغيل الطائرات العسكرية المتقدمة، التي قد تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات للساعة الواحدة.
ومن هنا، فإن تقليص فترة الحماية لا يعني بالضرورة التخلي عن السفن التجارية، وإنما يشير إلى محاولة جعل العملية أكثر كفاءة، عبر تجميع حركة السفن في فترات محددة يمكن خلالها تركيز المراقبة والاستطلاع والحماية الجوية.

وتكشف هذه الخطوة في الوقت نفسه عن تغير في طبيعة المخاطر داخل المضيق. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط باحتمال استهداف السفن، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بكيفية إدارة وجود عسكري أميركي مستمر في منطقة ضيقة وحساسة، من دون استنزاف الموارد أو زيادة احتمالات الاحتكاك المباشر.
إيران تلوح بمنطقة مقيدة.. وهرمز يتحول إلى اختبار عالمي
في المقابل، رفعت إيران مستوى الضغط على حركة الملاحة بإعلان نيتها إنشاء منطقة مقيدة داخل مضيق هرمز، في خطوة تضيف طبقة جديدة من القيود أمام السفن التجارية التي تحاول المرور عبر الممر البحري.
وتحمل هذه الخطوة أهمية خاصة لأن هرمز ليس ممرًا إقليميًا محدود التأثير، بل أحد الشرايين الأساسية لسوق الطاقة العالمي. ويمر عبره في الظروف الطبيعية نحو خمس الإمدادات العالمية اليومية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيه قابلًا للانتقال سريعًا إلى أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين.
وقد انعكس التصعيد بالفعل على حركة السفن، بعدما تراجعت أعداد السفن التجارية التي تعبر المضيق بصورة حادة مقارنة بالمستويات المعتادة، والتي كانت تصل إلى نحو 125 سفينة كبيرة يوميًا تشمل ناقلات النفط والغاز وسفن الحاويات والبضائع السائبة.
ومع استمرار القيود والتهديدات، تصبح الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة: حماية الملاحة تتطلب انتشارًا عسكريًا مكلفًا، بينما تقليص الحماية قد يرفع المخاطر أمام السفن ويزيد تردد الشركات في استخدام المضيق.
بينما إيران، فتواجه بدورها معادلة أكثر تعقيدًا، لأن الضغط على الملاحة لا ينعكس على خصومها وحدهم، بل يمكن أن يضر بحركة التجارة والطاقة في المنطقة ويزيد عزلة الاقتصاد الإيراني.

