يتحول جنوب لبنان مجددًا إلى بؤرة ساخنة في المشهد الإقليمي، مع استمرار الغارات الإسرائيلية واتساع نطاق الاستهداف ليشمل مناطق وبلدات متفرقة في قضاء النبطية، بالتزامن مع تحذيرات بإخلاء مبانٍ سكنية ومحيطها.
وتعيد هذه التطورات المخاوف من عودة التصعيد إلى مستويات أوسع، رغم الترتيبات السياسية والأمنية الرامية إلى احتواء المواجهة.
وفي أحدث التطورات، شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارة على بلدة عربصاليم في قضاء النبطية، ما أدى إلى أضرار مادية وتصاعد الدخان، فيما توجهت فرق الدفاع المدني والإسعاف إلى موقع الاستهداف للتحقق من حجم الخسائر.
وتزامن ذلك مع إنذار إسرائيلي لسكان مبنى ومبانٍ مجاورة في بلدة دير الزهراني بإخلائها فورًا والابتعاد عن المنطقة لمسافة لا تقل عن نصف كيلومتر، على خلفية اتهامات بوجود منشآت أو مصالح مرتبطة بحزب الله.
الجنوب أمام موجة جديدة من التصعيد
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الضربات الجوية في جنوب لبنان والبقاع، بما يعكس استمرار هشاشة الوضع الميداني وعدم نجاح ترتيبات وقف إطلاق النار في إنهاء المواجهة بصورة كاملة.
ومع تكرار الاستهدافات، تتسع المخاوف من انتقال التصعيد من عمليات محدودة إلى نمط أكثر اتساعًا، خصوصًا في المناطق القريبة من الحدود والمناطق التي تشهد وجودًا عسكريًا إسرائيليًا.
وتكشف الحصيلة الإنسانية المتراكمة حجم الكلفة التي يدفعها لبنان منذ بداية العدوان في أكتوبر 2023. ووفق أحدث البيانات اللبنانية، ارتفع عدد القتلى إلى نحو 8,948، فيما تجاوز عدد الجرحى 30,600، لتقترب حصيلة القتلى والمصابين من 40 ألف شخص.
وتزامنت الزيادة الأخيرة مع سقوط 12 شخصًا على الأقل، بينهم طفلان وأربع نساء، في غارات على بلدة كفرا رمان، إضافة إلى مقتل مسعف وإصابة اثنين آخرين في غارة منفصلة.
وتؤشر هذه الوقائع إلى أن التهدئة السياسية لم تنعكس بعد بصورة كاملة على الأرض، وأن الجنوب لا يزال عرضة لضربات متكررة يمكن أن تعيد إنتاج دورة التصعيد.
ولا تقتصر تداعيات المواجهة على الخسائر البشرية، إذ يواجه القطاع الصحي نفسه ضغوطًا متزايدة نتيجة تضرر المنشآت الطبية وارتفاع الطلب على خدمات الطوارئ والرعاية. كما سجلت منظمة الصحة العالمية أكثر من 150 هجومًا على الرعاية الصحية خلال الفترة التي يغطيها أحد تقاريرها، مع أضرار طالت مستشفيات ومراكز صحية وسقوط ضحايا من العاملين في القطاع.
أضرار تتجاوز الميدان وتهدد الاقتصاد والاستقرار
وتضع هذه التطورات الدولة اللبنانية أمام أزمة متعددة المستويات، فكل موجة جديدة من الضربات تعني أضرارًا إضافية في المنازل والمنشآت والبنية التحتية، فضلًا عن زيادة الضغط على الخدمات العامة والقطاع الصحي.
ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه الاقتصاد اللبناني أصلًا من أزمة مالية عميقة، ما يجعل عمليات الإصلاح وإعادة الإعمار أكثر صعوبة ويزيد الاعتماد على المساعدات والتمويل الخارجي.
كما أن استمرار التوتر بين إسرائيل وحزب الله يبقي احتمالات اتساع المواجهة قائمة، خصوصًا مع عدم توقف العمليات العسكرية بصورة نهائية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه بوساطة أمريكية.
ومع كل ضربة جديدة، يصبح هامش المناورة أمام الأطراف أضيق، بينما ترتفع احتمالات وقوع خسائر مدنية وتضرر مناطق مأهولة.
ويزيد الوضع تعقيدًا أن أي انفجار واسع لن تكون تداعياته محصورة في الجنوب، بل قد يمتد إلى الاقتصاد وحركة السكان والخدمات الأساسية، ويعيد لبنان إلى مسار من عدم الاستقرار يصعب احتواؤه سريعًا.
وفي المقابل، تتحرك الاتصالات السياسية والدبلوماسية بهدف منع انزلاق الوضع إلى مواجهة أشمل، بينما تتزايد الدعوات الدولية إلى حماية المدنيين والمنشآت الحيوية والحيلولة دون انهيار ترتيبات التهدئة.

