في عمق الزنازين المظلمة وأروقة السجون الأكثر شهرةً وبطشًا في طهران، تتكشف فصول مأساة إنسانية غير مسبوقة تعكس أبشع صور قمع الحريات وإهدار حقوق الإنسان الأساسية.
فعلى وقع تصاعد ملحوظ في وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام، التي بلغت مستويات قياسية مفزعة وثقتها تقارير منظمات حقوقية وأممية، يواجه مئات السجناء والمعتقلين السياسيين وموقوفي الرأي مصائر مأساوية خلف مقاصل لم توفّر حتى المهمشين أو أصحاب الرأي المعارض، وسط محاكمات صورية تفتقر إلى أدنى معايير النزاهة والشفافية، وتستند إلى اعترافات انتُزعت تحت التعذيب الممنهج. ويختار النزلاء كسر حاجز الصمت بأمعائهم الخاوية وصرخاتهم المدوية، معلنين التمرد على آلة موت لا تتوقف، في وقت تتغاضى فيه دوائر القرار الرسمية عن النداءات الدولية الملحة لإنقاذ أرواح مهددة بالموت المبرمج.
تصاعد جنوني في أحكام الإعدام: أرقام صادمة وتوثيق أممي للانتهاكات
تشير التقارير الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية المستقلة، بما فيها بيانات منظمة “إيران هومان رايتس” الموثقة بالتواريخ والأرقام، إلى أن السلطات القضائية في إيران صعّدت، بشكل مرعب، من وتيرة استخدام عقوبة الإعدام أداةً رئيسية لقمع المعارضة وبث الرعب في الشارع.
فخلال النصف الأول من عام 2026، وثقت التقارير تنفيذ ما لا يقل عن 370 حكم إعدام، وسط تحذيرات جادة من وجود مئات الحالات الأخرى التي جرت في سرية تامة دون إعلان رسمي.
وتكشف هذه الإحصاءات الدقيقة أن نحو 55 شخصًا أُعدموا على خلفية تهم تتعلق بالأمن القومي، بينما تصدرت قضايا المخدرات والنزاعات الجنائية والسياسية قائمة الإعدامات التي طالت عشرات المعتقلين على خلفية الاحتجاجات الشعبية العارمة.
وفي السياق ذاته، توثق التقارير الأممية ولجان التحقيق الدولية أن المحاكم الثورية في إيران تلعب دورًا مركزيًا في إصدار هذه الأحكام القاسية عبر آليات محاكمة سريعة وجائرة للغاية.
وتؤكد منظمات حقوقية بارزة، مثل منظمة العفو الدولية، أن المتهمين يُحرمون، بشكل ممنهج، من حقهم القانوني في التواصل مع محامين مستقلين أو الدفاع عن أنفسهم بفعالية، حيث تستند غالبية الإدانات إلى ملفات أمنية ملفقة واعترافات انتُزعت تحت وطأة التعذيب الجسدي والنفسي القاسي.
وتشكل هذه الممارسات التعسفية انتهاكًا صارخًا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وتضع النظام القضائي الإيراني في قفص الاتهام بوصفه أحد أكثر الأنظمة تنكيلًا بحقوق مواطنيه وحقهم الأصيل في الحياة.
صرخات من داخل “غزل حصار”: انتفاضة الأمعاء الخاوية وخياطة الشفاه
في ظل هذا المشهد القاتم، يشهد سجن “غزل حصار” الشهير، قرب طهران، واحدة من أشرس وأعنف الاحتجاجات الجماعية في تاريخ السجون الإيرانية المعاصرة.
فقد دخل ما لا يقل عن 1500 سجين محكوم عليهم بالإعدام في إضراب مفتوح عن الطعام احتجاجًا على النقل المتكرر للنزلاء إلى زنازين الحبس الانفرادي تمهيدًا لتنفيذ أحكام الإعدام بحقهم.
ولم يكتفِ النزلاء بالإضراب التقليدي، بل أقدم عدد منهم على خياطة شفاههم في خطوة بالغة الدلالة على اليأس وغضبهم العارم من الصمت الدولي والتجاهل المتعمد لمطالبهم الإنسانية المشروعة، الرامية إلى وقف حمامات الدم المستمرة خلف الأسوار.
وتُظهر مقاطع الفيديو المسربة والشهادات الحية التي نقلتها شبكات حقوقية إيرانية حالة التدهور الصحي الشديد التي يعاني منها المضربون، وسط تعنت إدارات السجون ورفضها المتكرر فتح الأبواب أمام الحالات الحرجة لنقلها إلى مستوصفات السجن لتلقي الرعاية الطبية العاجلة.
وتؤكد مصادر من داخل المعتقل أن السلطات الأمنية استخدمت شتى أساليب القمع والترهيب، بما في ذلك قطع مياه الشرب وخطوط الاتصالات، وقطع الإشارات عبر الأجهزة المشوشة، فضلًا عن اقتحام العنابر والاعتداء بوحشية على السجناء المدافعين عن حقهم في الحياة.
وفي الوقت ذاته، تجمعت عائلات المحكوم عليهم أمام بوابة السجن لرفع صور أبنائهم والهتاف بسقوط عقوبة الإعدام، لتواجهها القوات الأمنية بحملات قمع وقبضة أمنية غليظة.
ملاحقة المحامين وتقويض العدالة: الحصار المفروض على أصوات الحقيقة
لا تقتصر سياسة القمع المنهجية في إيران على الجدران الأربعة للسجون، بل تمتد لتستهدف كل من يحاول رفع صوت الحقيقة أو تقديم الدعم القانوني للضحايا والمستضعفين.
فقد وثقت تقارير حقوقية صادرة في منتصف عام 2026 تصاعدًا خطيرًا في الاعتداءات القضائية والأمنية ضد محامي حقوق الإنسان والمدافعين عن معتقلي الرأي.
وفتحت السلطات القضائية قضايا وملفات ملفقة ضد محامين بارزين، مثل أمير رئيسيان وميلاد پناهيپور، لمجرد دفاعهم عن نشطاء محكوم عليهم بالإعدام، في محاولة واضحة لإرهاب الكوادر الحقوقية وترك العائلات وحيدة في مواجهة بطش محاكم الثورة.
وتشير تقارير الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان إلى أن هذا التضييق الممنهج على المحامين المستقلين يهدف إلى طمس معالم الانتهاكات وجعل المحاكمات السرية أمرًا واقعًا دون شهود أو رقابة قانونية حقيقية.
ويرى خبراء القانون الدولي أن حرمان المعتقلين من التمثيل القانوني النزيه، بالتزامن مع الارتفاع الجنوني في تنفيذ أحكام الإعدام، يشكل جريمة منظمة ترعاها مؤسسات الدولة الرسمية للهروب من الأزمات السياسية الداخلية.
ومن هنا، تتصاعد النداءات الدولية الموجهة إلى المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي لربط أي حوار دبلوماسي مع طهران بضرورة الوقف الفوري وغير المشروط لتنفيذ عقوبة الإعدام، وضمان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان قبل فوات الأوان.

