ذات صلة

جمع

فاتورة الدم والدمار.. كيف دفع الجنوب اللبناني ثمن خيارات حزب الله الأحادية؟

لم تكن الكارثة التي عصفت بالقرى والبلدات الجنوبية في...

كيف حاولت قيادات الإخوان تبييض وجوهها عبر شعارات حقوق الإنسان المزيفة؟

تشهد العواصم الأوروبية تحولاً جذرياً وغير مسبوق في طريقة...

فاتورة الدم والدمار.. كيف دفع الجنوب اللبناني ثمن خيارات حزب الله الأحادية؟

لم تكن الكارثة التي عصفت بالقرى والبلدات الجنوبية في لبنان مجرد صدفة عابرة، بل كانت نتاجاً حتمياً لمسار طويل من التفرد بالقرار الوطني واختطاف سيادة الدولة لصالح أجندات خارجية لا تملك من أمر المواطن اللبناني شيئاً سوى اتخاذه درعاً بشرياً ووقوداً لمعارك عبثية.

فحين يُفرض على شعب بأكمله خيار الحرب والسلم دون الرجوع إلى مؤسساته الشرعية، ودون اعتبار لحجم الدمار الهائل، تصبح الفاتورة باهظة ومفجعة، وهو ما وثقته بدقة متناهية أحدث التقارير الأممية والحقوقية، التي كشفت عن أرقام مرعبة تشهد على حجم المأساة الإنسانية والاقتصادية التي يعاني منها الجنوب اللبناني اليوم، وسط صمت مطبق من قيادات حزب الله، التي واصلت تجاهل الأنين المستمر لمجتمع مدني مسلوب الإرادة والقرار.

تقارير أممية وأرقام صادمة توثق حجم الدمار الشامل في الجنوب

وفي ظل غياب أي التزام بالقوانين الدولية الإنسانية وحماية المدنيين، وثقت منظمات تابعة للأمم المتحدة حجم الأضرار البالغة التي لحقت بالبنية التحتية والقطاع الخدمي في جنوب لبنان نتيجة العمليات العسكرية التي أشعلها حزب الله بخياراته الفردية.

وبحسب تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في النصف الأول من عام 2025، تجاوز عدد الوحدات السكنية المدمرة كلياً أو جزئياً في القرى الحدودية الجنوبية حاجز الثلاثين ألف وحدة سكنية، فضلاً عن تضرر مئات الكيلومترات من شبكات المياه والكهرباء والاتصالات الحيوية بشكل كامل، مما أدى إلى شلل تام في الحياة اليومية لمئات الآلاف من السكان الأصليين، الذين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها بلا مأوى ولا مقومات أساسية للعيش الكريم.

ولم تتوقف التقارير الدولية عند حدود الدمار المادي والعقاري، بل أشارت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في تقرير لها إلى احتراق آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية المعمرة، ولا سيما أشجار الزيتون التي تشكل العصب الاقتصادي الأساسي لعائلات الجنوب، جراء استخدام الأسلحة الحارقة واستمرار الاشتباكات التي افتعلها الحزب، متجاهلاً التحذيرات الدولية المتكررة.

وأكد التقرير أن الخسائر المباشرة في القطاع الزراعي والثروة الحيوانية قدرت بمئات ملايين الدولارات، مما أدى إلى قطع سبل العيش عن آلاف المزارعين الذين تحولوا، بفعل هذه السياسات الرعناء، إلى فقراء ومحتاجين للمساعدات الإنسانية العاجلة، في وقت تتهرب فيه الهيئات التابعة لحزب الله من تقديم التعويضات الحقيقية، وتكتفي بالوعود الوهمية والخطابات الحماسية الاستهلاكية.

مأساة النزوح القسري: مئات الآلاف يعيشون في ظروف إنسانية كارثية

شهد الجنوب اللبناني أكبر موجة نزوح قسري في تاريخه الحديث، حيث أشار تقرير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) والمنظمات الشريكة لها إلى نزوح أكثر من مئة ألف مواطن لبناني من القرى والبلدات الجنوبية الحدودية نحو مناطق أكثر أماناً في بيروت ومرتفعات الجبل وشمال البلاد. هؤلاء النازحون يعيشون اليوم ظروفاً معيشية بالغة القسوة والصعوبة داخل مراكز إيواء مؤقتة تفتقر إلى أدنى مقومات الصحة والنظافة والخصوصية، وسط عجز حكومي واضح وفشل ذريع من قبل شبكات الدعم التابعة لحزب الله في توفير احتياجاتهم الإنسانية الأساسية، بعد أن زج بهم الحزب في أتون حرب لم يستشرهم فيها، ولم يضع خططاً طارئة لحمايتهم وإيوائهم حين تشتد الأزمات.

وفي تصريحات لمنظمة العفو الدولية، شددت على أن “استخدام حزب الله للمناطق المدنية والمأهولة بالسكان منطلقاً لعملياته العسكرية يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ويعرض حياة المدنيين الأبرياء لخطر بالغ وممنهج”، مضيفة أن التقارير الميدانية تثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن قيادة الحزب تتعمد تجاهل نداءات الأهالي المتكررة بضرورة تحييد المناطق السكنية عن دائرة الصراع المسلح.

وقد انعكس هذا الواقع المأساوي بشكل مباشر على الأطفال والنساء وكبار السن، حيث وثقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ارتفاعاً حاداً في معدلات الصدمات النفسية واضطرابات القلق الحاد بين أطفال الجنوب، الذين حرموا من مقاعد الدراسة واستقرارهم النفسي والاجتماعي.

انتهاكات حقوقية وتصريحات موثقة تكشف زيف شعارات المقاومة

وعلى الصعيد الحقوقي المحلي والدولي، تتوالى الشهادات والوقائع التي تكشف الوجه الحقيقي لممارسات حزب الله القمعية ضد أي أصوات معارضة لسياساته داخل البيئة الشيعية نفسها، فقد رصد مركز لبنان لحقوق الإنسان (CLDH) في تقرير توثيقي حديث حالات مضايقة وترهيب واعتقال تعسفي قامت بها مجموعات أمنية تابعة للحزب ضد نشطاء وصحفيين ومواطنين تجرؤوا على انتقاد الدمار الذي لحق بمنازلهم أو طالبوا بضرورة تسليم السلاح للدولة اللبنانية وحدها.

وأكد التقرير أن هذه الممارسات التعسفية تهدف إلى كم الأفواه وفرض سياسة الأمر الواقع بالقوة والترهيب المسلح، مما يحرم المواطن اللبناني من حقه الأساسي في حرية الرأي والتعبير والمطالبة بحياة آمنة ومستقرة بعيداً عن منطق الميليشيات والسلاح المنفلت.

حتمية استعادة الدولة ورفض الهيمنة المسلحة

إن فاتورة الدم والدمار التي سددها الجنوب اللبناني، ولا يزال، تثبت بوضوح دامغ أن الخيارات الأحادية والسياسات الميليشياوية لا تلبث أن تنقلب وبالاً على شعوبها، مهما تكن الشعارات البراقة المرفوعة.

فالأرقام الأممية والتقارير الحقوقية والوقائع الموثقة التي سردناها تؤكد أن بقاء لبنان رهينة بيد حزب الله يعني مزيداً من الانهيار والتهجير وفقدان السيادة، وإن طريق الخلاص الوحيد يبدأ حتماً برفض هذه الوصاية المدمرة، والتفاف اللبنانيين حول دولتهم ومؤسساتهم الشرعية وجيشهم الوطني، ليكون هو الحامي الوحيد للسيادة والكرامة، وليستعيد الجنوب وجهه المزدهر بعيداً عن رماد الحروب العبثية وأجندات الوصاية الخارجية.