ذات صلة

جمع

حرب الشائعات الإخوانية في تونس.. أكاذيب سجون القيادات لمحاولة إثارة البلبلة

لم تكن سياسات التنظيمات المتطرفة يومًا بعيدة عن أساليب...

أجندات الحوثيين التخريبية.. استهداف البنى التحتية للطاقة وتكرار سيناريو مضيق هرمز

لم تكن الاعتداءات المتكررة التي تشنها الميليشيات الحوثية على...

اختراق العواصم الأوروبية.. كيف استغلت قيادات الإخوان المناخ الأوروبي لتأسيس شبكاتها؟

لم تكن شبكات التنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية بمعزل...

فاتورة الدم والدمار.. كيف دفع الجنوب اللبناني ثمن خيارات حزب الله الأحادية؟

لم تكن الكارثة التي عصفت بالقرى والبلدات الجنوبية في...

اختراق العواصم الأوروبية.. كيف استغلت قيادات الإخوان المناخ الأوروبي لتأسيس شبكاتها؟

لم تكن شبكات التنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية بمعزل عن القبضة الدولية المتصاعدة لملاحقة مصادر تمويل الإرهاب وتجفيف شرايينه العابرة للقارات، حيث جاءت العقوبات الأمريكية الأخيرة لتشكل ضربة موجعة وقاصمة في عمق الهيكلية المالية والتنظيمية للجماعة.

ففي تطور لافت يعري الأدوار الخفية للقيادات التاريخية، أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية “OFAC” قرارًا صارمًا يقضي بفرض عقوبات مشددة ومحاصرة أصول القيادي البارز في فرع مصر لجماعة الإخوان، محمود الإبياري، حامل الجنسية النمساوية.

هذا القرار الحاسم، الذي جاء بعد أشهر من تصنيف واشنطن لفرع جماعة الإخوان في يناير من عام 2026 كمنظمة إرهابية عالمية محددة بشكل خاص، يفتح الباب واسعًا أمام كشف خبايا إمبراطورية مالية ضخمة بناها الإبياري على مدار عقود طويلة تنقل فيها بين العواصم الأوروبية، مدعوماً بشبكات معقدة من الجمعيات والواجهات الوظيفية التي عملت بدقة لخدمة أجندات التطرف وتمويل التنظيمات الإرهابية على مستوى العالم.

شبكات التمويل والتنظيم: الدور المالي المشبوه لمحمود الإبياري

يكتسب التركيز الدولي المكثف على الشؤون المالية للقيادي الإخواني محمود الإبياري أهمية بالغة واستثنائية في ضوء الاتهامات الموثقة والصريحة الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية والتقارير الاستخباراتية الأوروبية.

وحسب البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية “OFAC”، فإن الإبياري لم يكن مجرد عنصر تقليدي داخل التنظيم، بل شغل موقعًا قياديًا رفيع المستوى ومركزيًا داخل الدائرة الضيقة لجماعة الإخوان المصرية، حيث لعب دورًا محوريًا في إدارة وتوجيه حملات جمع التبرعات لصالح مؤسسات وكيانات خاضعة لعقوبات دولية لثبوت تورطها في دعم وتمويل حركات متطرفة على رأسها حركة حماس.

وتؤكد الوثائق الرسمية، أن الأساس القانوني والرسمي لفرض العقوبات على الإبياري يستند بشكل مباشر إلى نشاطه المباشر وغير المباشر لصالح التنظيم الدولي للإخوان، مستغلاً واجهاته المتعددة لتوفير المساعدات المالية واللوجستية التي تغذي العنف وتزعزع الاستقرار الإقليمي والدولي.

الجذور الأوروبية: محطة فيينا والتاريخ الأسود للأنشطة التنظيمية

لم تكن العاصمة النمساوية فيينا مجرد محطة عابرة أو مركز ثانوي في مسيرة محمود الإبياري، بل مثلت تاريخيًا قاعدة استراتيجية هامة لمختلف الفاعلين والقيادات التابعة لجماعة الإخوان لتأسيس الهياكل التقليدية، وتجنيد العناصر، وتوفير الدعم السياسي والمادي للمنظمة الأم.

وتكشف الوثائق والشهادات الداخلية الموثقة، مثل المقابلة التاريخية التي أجراها الباحث لورنزو فيدينو مع القيادي السابق سمير أبو اللابان في ديسمبر من عام 2021 ونشرت في تقرير مركز توثيق الإسلام السياسي في النمسا لعام 2022 بين الصفحات 37 إلى 43، عن تفاصيل دقيقة حول نشأة هذه الشبكات.

وقد أشارت دراسات الأمن القومي في النمسا إلى أن قادة الفروع الأوروبية درجوا على استغلال المناخ الديمقراطي لجمع الأموال وتوجيهها لدعم العمليات المسلحة وشبكات التطرف الإقليمية.

وبالنسبة لمحمود الإبياري، فإن قرار إدراجه رسميًا في قائمة العقوبات الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) يعني تجميدًا كاملاً لكافة أصوله ومصالحه المالية في الولايات المتحدة وخارجها، فضلاً عن وضع المؤسسات المالية العالمية والمصارف أمام طائلة العقوبات الصارمة في حال إجرائها أي معاملات مع شبكاته المشبوهة، مما يمثل ضربة قاصمة تقطع دابر التمويل الخارجي وتعرّي الواجهات الأمامية للجماعة الإرهابية.

الانتقال إلى لندن وتأسيس الإمبراطورية المالية تحت غطاء الشركات الوهمية

شهد مسار محمود الإبياري تحولًا تنظيميًا بارزًا عام 1988 حين غادر النمسا في ظروف غامضة ومفاجئة استدعت انتباه المراقبين والأجهزة الأمنية، متوجهًا إلى العاصمة البريطانية لندن ليتبوأ مكانًا مركزيًا ومتقدمًا في سلم القيادة العليا للتنظيم الدولي للإخوان.

وتشير الأبحاث وسجلات الشركات البريطانية التي وثقها الباحثون إلى أن مكانة الإبياري في لندن استندت إلى شبكة واسعة من الشركات والواجهات الوهمية المسجلة في عناوين مركزية للجماعة، مثل العنوان الشهير في 113 كريكلوود برودواي، والذي وُصف مرارًا بأنه المقر غير الرسمي لشبكات الإخوان في لندن.

وقد ورد اسم محمود الإبياري بصفته مديرًا عاماً لكيانات مالية واقتصادية مثل نايل فالي ترست وشركة علامات ميديا سيرفيسز، بينما تم تسجيل ابنه عبد الرحمن، المواطن النمساوي أيضًا، كمدير لذات الشركات التي استخدمت كأذرع مالية وإعلامية لتمرير الأموال وتغطية الأنشطة غير القانونية للتنظيم الإرهابي.

وتؤكد هذه المعطيات المتكاملة، أن جماعة الإخوان الإرهابية دأبت طيلة عقود على الاستثمار في شبكات المهجر والشتات عبر استغلال الشخصيات الحاملة لجنسيات مزدوجة لتمرير الأموال والتهرب من الرقابة المالية الدولية وإن الإجراءات الأمريكية الأخيرة لا تمثل مجرد عقوبات فردية، بل هي إدانة قانونية موثقة لشبكة متكاملة من جرائم تمويل الإرهاب وغسيل الأموال التي تورط فيها الإبياري وعائلته وشركاته الوهمية.

وتخلص التقارير الأمنية والحقوقية إلى أن تفكيك هذه الإمبراطورية المالية يشكل خطوة استراتيجية لا غنى عنها لاجتثاث جذور التطرف وحماية الأمن السلمي العالمي من مخاطر التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود.

ويتبين بوضوح تام أن سقوط الإمبراطورية المالية للقيادي الإخواني محمود الإبياري وتكبيله بالعقوبات الأمريكية الصارمة يعكسان الجدیة الدولية المتزايدة في ملاحقة رؤوس الفتنة والتطرف العابرة للقارات.

إن الوقائع والأرقام والتقارير الاستخباراتية والحقوقية التي وثقت أنشطة الإبياري منذ عصور فيينا ولندن تؤكد أن تنظيم الإخوان الإرهابي لم يكن سوى شبكة مصالح مالية وسياسية تسترت خلف شعارات مزيفة لخدمة أجندات التخريب والدمار، وإن استمرار هذه الملاحقات القانونية والمالية يعد ركيزة أساسية لتقويض قدرات التنظيمات المتطرفة ومنعها من إعادة تدوير أموالها المسروقة، مما يمهد الطريق نحو عالم أكثر أمنًا واستقرارًا وخاليًا من سموم الإرهاب ومنظوماته السرية.