خلف الأبواب المغلقة للقصور السياسية في طهران، تدور رحى حرب نفوذ طاحنة بين تيار مدني يحاول التقاط أنفاسه الأخيرة ومؤسسة عسكرية أحكمت قبضتها على مقدرات البلاد الأمنية والاقتصادية بمعزل عن أي رقابة.
هذا التصدع القيادي انعكس بشكل كارثي على حياة ملايين الإيرانيين الذين يكتوون بنار الفقر والقمع الممنهج، وهو ما وثقته بوضوح تقارير أممية وحقوقية حديثة رصدت بالأرقام حجم الانتهاكات والمآسي الناتجة عن صراع الأجنحة على السلطة.
ومع اتساع الهوة بين الحكام والمحكومين، تقف طهران اليوم على صفيح ساخن، متأرجحة بين سيناريوهات الانهيار الداخلي وتداعيات صراع النفوذ المحتدم على مستقبل الحكم بأكمله.
جذور الأزمة وتفاقم الهوة بين التيارات المدنية والعسكر
وتشير المعطيات التحليلية والتقارير الصادرة عن منظمات دولية معتبرة إلى أن الهوة السحيقة بين الأجنحة المدنية داخل السلطة والمؤسسة العسكرية لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج عقود من الاستحواذ المنهجي على القرار السياسي والاقتصادي لصالح الكيانات العسكرية وشبه العسكرية.
وفي هذا السياق، وثق تقرير صادر عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في مطلع عام 2025، تصاعداً خطيراً في تهميش الأصوات المدنية المعتدلة التي تطالب بإعادة النظر في السياسات الداخلية والخارجية للبلاد، مؤكداً أن المؤسسة العسكرية باتت تدير أكثر من ستين بالمائة من الاقتصاد الإيراني عبر شبكة معقدة من الشركات والواجهات الوهمية.
هذا الاستحواذ المالي والاقتصادي منح العسكر نفوذاً طاغياً يعلو فوق سلطة أي حكومة مدنية منتخبة، مما خلق حالة من الإحباط الشديد لدى التيارات السياسية التي ترى أن البلاد تسير بخطى حثيثة نحو الانهيار الشامل نتيجة تغليب الحلول الأمنية القمعية على الحوار المجتمعي والسياسي.
أدلة وأرقام أممية وحقوقية توثق جرائم وقمع السلطات الإيرانية
ولم تتوقف تداعيات هذا الصراع المحتدم عند حدود السجال السياسي والمؤسسي، بل تجلت بوضوح في تقارير حقوقية موثقة ترصد انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وقمعاً دموياً لأي حراك شعبي أو مطلبي يطالب بالتغيير.
فقد أشار تقرير مقرر الأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران، المقدم في أواخر عام 2025، إلى توثيق آلاف حالات الاعتقال التعسفي والمحاكمات الجائرة التي استهدفت الناشطين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، إضافة إلى استمرار تنفيذ عقوبات الإعدام بمعدلات قياسية وصفها المراقبون الدوليون بأنها أداة ممنهجة لبث الرعب وضمان خضوع المجتمع.
وأكدت منظمة العفو الدولية، في تقريرها نصف السنوي الصادر منتصف عام 2026، أن السلطات الإيرانية استخدمت القوة المميتة بشكل مفرط ضد التظاهرات السلمية التي خرجت تنديداً بتردي الأوضاع المعيشية وانهيار العملة الوطنية، مما أسفر عن مقتل وإصابة المئات من المدنيين الأبرياء، دون وجود أي آليات محاسبة قضائية مستقلة ونزيهة.
تصريحات موثقة تكشف عمق التصدعات داخل أروقة الحكم في طهران
وعلى صعيد المواقف الرسمية والتصريحات الموثقة، كشفت تسريبات متطابقة ومواقف علنية لعدد من الشخصيات السياسية المحسوبة على التيار المدني عن حجم الاستياء المتزايد من هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السيادي.
وفي تصريح مثير أدلى به أحد أبرز البرلمانيين الإصلاحيين السابقين لصحيفة محلية، في شهر مارس 2026، تم التحذير بوضوح من أن “استمرار السكوت على تغول العسكر سيؤدي إلى فقدان ما تبقى من شرعية النظام”، مشدداً على أن البلاد تعاني من أزمة إدارة هيكلية غير مسبوقة تهدد كيان الدولة ووحدتها الترابية.
وفي السياق ذاته، أشارت تقارير استخباراتية غربية، نشرت في الصحافة الدولية، إلى أن الاجتماعات المغلقة لمجلس الأمن القومي الإيراني تشهد مشادات حادة واشتباكات لفظية مستمرة بين الصقور العسكريين والوزراء المدنيين المحسوبين على التيار الحكومي، بسبب تضارب الرؤى حول كيفية التعامل مع العقوبات الاقتصادية الدولية ومطالب الشارع الملحة.
انعكاسات الصراع الداخلي على مستقبل الاستقرار الإقليمي والدولي
إن هذا التصدع الداخلي العميق في طهران لا يمثل شأناً محلياً بحتاً، بل ينعكس بشكل مباشر على الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين، حيث تلجأ المؤسسة العسكرية الحاكمة، في كثير من الأحيان، إلى تصدير الأزمات الداخلية وافتعال التوترات الخارجية لإلهاء الرأي العام وتبرير القمع الداخلي المتواصل.
ومع استمرار الأرقام المفزعة التي تسجلها التقارير الحقوقية بشأن تفشي الفقر والبطالة وانهيار منظومة الصحة والتعليم، يبدو أن النظام الإيراني يقف عاجزاً عن تقديم أي حلول حقيقية للأزمات المتراكمة.
وفي ظل تمسك التيارات المدنية بضرورة الإصلاح الجذري، ورفض العسكر أي تنازل عن مكتسباتهم ونفوذهم، تظل نافذة الحل السياسي الضيقة مهددة بالانغلاق الكامل، مما ينذر بانفجار اجتماعي واسع النطاق قد يغير وجه الخارطة السياسية في إيران برمتها خلال المستقبل القريب.

