ذات صلة

جمع

الردع الجنائي.. كيف فقد الإخوان القدرة على المناورة داخل المؤسسات الأمريكية؟

دخلت المواجهة بين السلطات الأمريكية وجماعة الإخوان مرحلة غير...

هرمز بين التصعيد والانكفاء.. كيف فقدت طهران ورقة الضغط الأقوى؟

في قلب التوترات الإقليمية المتصاعدة، برز مضيق هرمز بوصفه...

حرب الإحداثيات.. هل تنجح طائرات “إف-16” في وقف نزيف القنابل الموجهة الروسية؟

دخلت الحرب الأوكرانية مرحلة حاسمة من الصراع التقني الذي...

الابتزاز بالوكالة.. كيف أحرقت طهران “هدنة الأسبوعين” في مهدها؟

في الوقت الذي كان فيه العالم يتطلع بشيء من التفاؤل الحذر نحو إمكانية تهدئة النزاع في الشرق الأوسط عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقفًا مؤقتًا للهجمات لمدة أسبوعين، اختارت طهران الرد بلغة النار والبارود.

حيث لم تمر سوى ساعات قليلة على إعلان الهدنة حتى انطلقت رشقات صاروخية مكثفة ومنسقة من الأراضي الإيرانية ومن معاقل وكلائها في اليمن، مستهدفة مواقع إقليمية حيوية في خرق صارخ وفج لكافة التفاهمات التي تمت برعاية دولية.

هذا التحرك الميداني العنيف لا يمكن قراءته إلا في سياق “الابتزاز بالوكالة” الذي تنتهجه طهران منذ عقود، حيث تظهر وجهًا دبلوماسيًا مرنًا في قاعات المفاوضات، بينما تحرك أذرعها العسكرية لإشعال الميدان وفرض سياسة الأمر الواقع؛ مما أدى إلى حالة من الاستنفار القصوى وإعادة شبح الحرب الشاملة ليتصدر المشهد من جديد نتيجة هذا التعنت الإيراني المستمر.

إن توقيت هذه الرشقات الصاروخية، التي انطلقت تزامنًا مع حديث الإدارة الأمريكية عن “مقترح العشر نقاط” والوساطة الباكستانية، يكشف بوضوح عن نوايا النظام الإيراني في استغلال المهلة الزمنية لالتقاط الأنفاس وإظهار القوة بدلاً من الالتزام بشروط التهدئة، فبدلاً من أن تبادر طهران بفتح مضيق هرمز وضمان أمن الملاحة كبادرة حسن نية، اختارت توجيه صواريخها وباليستياتها نحو أهداف حساسة ومناطق مأهولة، وهو ما يضع الوساطات الدولية في موقف حرج ويجعل من استمرار تعليق الهجمات أمرًا شبه مستحيل في ظل هذا الاستهتار الإيراني بالجهود الدبلوماسية.

ويبدو أن طهران قد أخطأت في تقدير الموقف، ظنًا منها أن سياسة الابتزاز قد تمنحها مكاسب إضافية على طاولة المفاوضات، لكنها في الواقع أحرقت جسور الثقة المفقودة أصلاً مع المجتمع الدولي الذي سئم من مناورات هذا النظام.

خيانة الوساطة ونسف جهود السلام الباكستانية

كانت الوساطة التي قادها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والمشير عاصم منير تمثل فرصة ذهبية لنزع فتيل الانفجار، إلا أن السلوك الإيراني الأخير وجه صفعة قوية لهذه الجهود الصادقة.

حيث أثبتت طهران أن قرارها العسكري لا يخضع للمنطق السياسي أو الالتزامات الدولية، بل يخضع لأجندة توسعية تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة بالكامل، فالرشقات التي انطلقت من اليمن بتوجيه مباشر من الحرس الثوري الإيراني تؤكد أن “الوكلاء” ليسوا سوى أدوات لتنفيذ عمليات الغدر التي تخشى طهران تحمل مسؤوليتها المباشرة في بعض الأحيان.

هذا التنسيق العابر للحدود يثبت أن النظام الإيراني لم يكن جادًا في قبول شروط الهدنة، بل كان يسعى لكسب الوقت لإعادة تذخير منصات الإطلاق وتجهيز المسيرات الانتحارية لجولة جديدة من الصراع الدموي الذي لا ينتهي.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن دوي صفارات الإنذار الذي تردد في أرجاء المنطقة كان نتيجة لهجوم معقد شاركت فيه جبهات متعددة، وهو أسلوب إيراني معهود يهدف إلى تشتيت الدفاعات الجوية وإحداث أكبر قدر من الذعر والفوضى، واعتبر المحللون السياسيون أن هذا الخرق المبكر للهدنة يمثل “وفاة سريرية” لأي اتفاق محتمل، إذ كيف يمكن الوثوق بنظام يوقع على التهدئة بيد ويضغط على زر الإطلاق باليد الأخرى؟

إن هذا السلوك يكرس صورة إيران كدولة مارقة تقتات على الأزمات، وتستخدم أمن المنطقة وحرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز ورقة ضغط رخيصة لتحسين شروط تفاوضها، ضاربة عرض الحائط بكل النداءات الدولية التي طالبت بضبط النفس وإعطاء الدبلوماسية فرصة حقيقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

تداعيات الغدر الإيراني: هل انتهت مهلة الأسبوعين؟

بعد هذا التصعيد الخطير، يبرز السؤال الملح حول رد الفعل الدولي المتوقع تجاه هذا النظام، فقرار واشنطن بتعليق الهجمات كان مشروطًا بوقف العدائيات وضمان أمن الملاحة، وبما أن طهران قد اختارت طريق الصواريخ، فإن “القوة التدميرية” التي حذر منها الرئيس الأمريكي قد تعود للعمل وبشكل أكثر عنفًا وتركيزًا.

إن الغدر الإيراني لم يستهدف الاستقرار الإقليمي فحسب، بل استهدف هيبة المجتمع الدولي ومصداقية الوساطة الباكستانية، مما يجعل العودة إلى طاولة المفاوضات أمرًا بالغ الصعوبة في الوقت الراهن، فالنظام في طهران لا يفهم سوى لغة القوة، ويبدو أن محاولة واشنطن لإظهار “حسن النية” قد تم تفسيرها في أروقة الحرس الثوري على أنها ضعف، وهو خطأ استراتيجي قد تدفع ثمنه السلطة في طهران غاليًا جدًا.

spot_img