ذات صلة

جمع

سوق الولاءات المفتوح.. كيف يشتري البرهان ذمم القادة الميدانيين لتغطية الهزائم؟

أثارت الطريقة الاحتفائية التي قدم بها الجيش السوداني انشقاق...

سيناريوهات الانهيار المؤسسي الكامل.. هل ينجح الزخم الدولي في إنقاذ ليبيا ومؤسساتها؟

تواجه الدولة الليبية في الوقت الراهن منعطفًا تاريخيًا هو...

كيف أصبح لقب «نمبر وان» علامة مميزة في مسيرة محمد رمضان؟

نجح الفنان محمد رمضان في تحويل لقب «نمبر وان»...

الإسلاموية اليسارية.. أبعاد التحالف المشبوه بين جماعة الإخوان وأقصى اليسار الأوروبي

تعتمد جماعة الإخوان في تمددها الغربي الحركي على مفهوم “التقية السياسية”، وهي صياغة خطاب مزدوج يتلون بحسب طبيعة الجمهور المستهدف؛ وأمام الأوساط الحكومية والسلطات الرسمية والشركاء في المجتمع المدني، تقدم الجماعة نفسها، وعبر واجهتها المتمثلة في “منظمة الجالية المسلمة الألمانية”، باعتبارها الممثل الشرعي والناطق الحصري باسم إسلام معتدل ومنفتح على العالم وقادر على دمج الأقليات.

لكن التقارير الصادرة عن هيئة حماية الدستور “الاستخبارات الداخلية الألمانية” تكشف الوجه الآخر والأكثر قتامة خلف هذا القناع البراق، حيث تتبع الجماعة استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى ممارسة تأثير ممنهج على المجالين السياسي والمجتمعي مستندة إلى أدبياتها الإقصائية القديمة، ويسعى هذا المخطط بالدرجة الأولى إلى إيجاد بيئة مجتمعية معزولة ومنفصلة ترفض القوانين الوطنية وتدفع نحو إقامة نظام سياسي ومجتمعي موازٍ يتعارض بشكل جذري ووجودي مع النظام الأساسي الديمقراطي الليبرالي الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.

إن خطورة هذا الأسلوب تكمن في قدرته على تحويل المؤسسات المدنية والمراكز الثقافية والدينية إلى منصات لتفريخ الأفكار المتطرفة وتجنيد الأنصار بشكل هادئ ودون إثارة الشبهات الأمنية التقليدية، حيث يتم توظيف هذه المراكز لفرض الوصاية الفكرية والدينية على أبناء الجاليات المسلمة، واحتكار تمثيلهم أمام الحكومات، مما يؤدي إلى عرقلة جهود الاندماج الحقيقي وصناعة هوية مشوهة تقوم على العداء للمجتمعات الغربية وتغذية مشاعر الانقسام المجتمعي.

الإسلاموية اليسارية وعقد التحالفات المشبوهة

من أبشع الجرائم السياسية التي ترتكبها الجماعة في الوقت الراهن هي ظاهرة “الإسلاموية اليسارية” ، وهو المصطلح الذي انتقل من الأدبيات السياسية الفرنسية ليفسر الواقع الألماني المعقد حاليًا، حيث يعبر عن تحالف مصلحي مشبوه تلتقي فيه أهداف جماعة الإخوان مع توجهات أجزاء من تيار أقصى اليسار.

يرتكز هذا التحالف على قواسم مشتركة ظاهرية مثل معاداة المنظومة الغربية التقليدية ومؤسسات الدولة، حيث يجد اليسار الراديكالي في الكتلة التصويتية التي تحركها واجهات الإخوان أداة لتعزيز مكاسبه الانتخابية، بينما تجد الجماعة في هذا التيار غطاءً سياسيًا وإعلاميًا يحميها من الملاحقة القانونية ويوفر لها الحصانة في مواجهة أي نقد يوجه إلى أفكارها المتطرفة.

وقد تجلت خطورة هذا النفوذ المتصاعد داخل الأحزاب السياسية الكبرى مثل الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) في برلين، حيث رصدت طلبات الإحاطة والاستجوابات البرلمانية الأخيرة كيف أدى هجوم الدوائر المتشددة داخل هذه الأحزاب إلى إجبار شخصيات سياسية معتدلة، مثل مارتن هايكل، على التنحي عن ترشيحاتهم للمناصب القيادية بسبب مواقفهم الصارمة ضد التغلغل الإسلاموي.

وتكشف هذه الحوادث المتكررة كيف نجحت شبكات الإخوان في ممارسة ضغوط وابتزاز سياسي غير معلن لتصفية الخصوم داخل البنية الحزبية الغربية، مستعينة بظهيرها اليساري الذي يسارع فورًا إلى تشويه وإدانة أي انتقاد يوجه لممارسات تنظيم الإخوان أو رموزه، ووصمه فورًا بالعداء والتمييز، مما يسهم في إسكات الأصوات العقلانية داخل مراكز صنع القرار الأوروبية.

اختراق المراكز الثقافية ومنصات اللقاءات المدنية

لم يكن هذا التسلل السياسي ليتحقق دون وجود أدوات ميدانية ومؤسسات تغلغل تعمل على الأرض بشكل مستمر، ومن أبرز الأمثلة التي ساقها الاستجواب البرلماني الألماني مؤخرًا هو الدور الذي يلعبه مركز “طيبة” الثقافي ورئيسه فريد حيدر.

حيث أثبتت تقارير هيئة حماية الدستور، أن هذا المركز ليس مجرد مؤسسة دينية عادية، بل هو جزء عضوي فاعل وبنية تحتية تتبع شبكة جماعة الإخوان السرية.

ومن خلال هذه الواجهات الثقافية والاجتماعية، تنظم الجماعة فعاليات ومنصات دورية، مثل: “منصة لقاءات نويكولن”، والتي يتم تصميمها بدقة لاستدراج رجال السياسة والنواب المحليين وصناع القرار للمشاركة فيها، مما يمنح هذه الكيانات المشبوهة شرعية مجتمعية زائفة ويسهل لها قنوات الاتصال المباشر مع أجهزة الدولة وهيئاتها الخدمية.

إن هذه المراكز تعمل كغطاء مالي واجتماعي يسمح للجماعة باستقبال التمويلات، وبناء شبكات العلاقات العامة، وتمرير الرسائل الأيديولوجية المبطنة تحت لافتة الأنشطة الخيرية والثقافية، والهدف النهائي من هذه التحركات هو خلق نقاط ارتكاز دائمة قادرة على توجيه القرار السياسي المحلي بما يخدم مصالح التنظيم الدولي للإخوان، وليس بما يخدم قضايا الجاليات المسلمة التي تقع ضحية لعملية الاختطاف الفكري والسياسي الممنهج التي تمارسها هذه الواجهات.

الاستنفار الأمني وآليات تجفيف منابع التطرف

أمام هذه الحقائق الدامغة والوثائق الاستخباراتية المقلقة، انتقل الملف إلى مرحلة المواجهة العلنية داخل أروقة البرلمان الألماني، حيث تعهدت الحكومة الاتحادية رسميًا بأن تتولى أجهزة الأمن معالجة وملاحقة جميع أشكال التأثير المتطرف الذي تمارسه الجماعة على بنية المجتمع والسياسة.

وتتضمن خطة المواجهة الراهنة تفعيل أدوات الرقابة البرلمانية عبر طلبات الإحاطة المكثفة، ودعوة ممثلي الاستخبارات الداخلية للمشاركة في حلقات نقاش وندوات متخصصة تهدف إلى رفع وعي النواب والقيادات الحزبية بمخاطر السقوط في فخاخ التقارب مع جماعة الإخوان أو التوقيع على شراكات مع مؤسساتها المدنية الملتوية.

إن مواجهة جرائم التسلل الخفي لجماعة الإخوان لا تتطلب جهوداً أمنية تقليدية فحسب، بل تستدعي استراتيجية فكرية وتشريعية شاملة تعمل على تعرية هذه الواجهات وتجفيف منابع نفوذها السياسي والمالي، وعزلها تمامًا عن المحيط المدني لقطع الطريق أمام استغلال الأقليات المسلمة كأدوات لضرب استقرار المجتمعات، وضمان حماية النظم الديمقراطية من مخططات الهدم الصامت التي تتبناها الجماعة كعقيدة حركية ثابتة.

spot_img