أثارت الطريقة الاحتفائية التي قدم بها الجيش السوداني انشقاق القائد الميداني “السافنا” في مؤتمر صحفي منظم بالعاصمة الخرطوم الكثير من التساؤلات حول مدى حاجة الجنرالات إلى أي قشة إعلامية لتعويض غياب الإنجازات الحقيقية على الأرض.
وجاء التسجيل المصور المسرب ليرد على تلك التساؤلات بالضربة القاضية، حيث ظهر الرجل وهو يتباهى علانية بالأموال التي قبضها ثمنًا لتغيير موقفه، واضعًا منظومة الجيش الإعلامية في موقف مخزٍ تلاه صمت مطبق أصاب أبواق الحرب بالشلل التام.
وترى مصادر، أن هذه الفضيحة المدوية لم تكن مجرد كشف لعملية شراء ذمة فردية، بل هي دليل دامغ على أن العقيدة العسكرية للقيادة الحالية أصبحت تدار بعقلية “سوق النخاسة السياسي”، حيث تعوض العجز عن حسم المعارك ميدانيًا بإنشاء قنوات تمويل سرية ومجزية مخصصة لاستقطاب النفوس الضعيفة وصناعة هالات بطولية وهمية تهدف إلى رفع الروح المعنوية المنهارة للجنود في المعسكرات.
إن هذا السقوط الدعائي يثبت بشكل قاطع أن الروايات التي تسوقها قيادة الجيش منذ بداية النزاع قد انشقت عروتها بالكامل ولم تعد تنطلي على الشارع السوداني الذي يراقب كيف تتبخر وعود الحسم العسكري يوماً بعد يوم.
وفي المقابل، جاءت الشهادات الميدانية الصادرة من داخل المجموعة العسكرية التي كان يقودها المنشق لتؤكد أن هذه الخطوة المدفوعة مسبقًا لم تؤثر مطلقًا على التماسك التنظيمي أو الجاهزية الميدانية للقوات على الأرض، حيث سارع القادة الميدانيون لإعلان التزامهم بالقسم والمهام، ووصفوا ما قام به السافنا بأنه تمرد فردي وخيانة لا تمثل سوى شخصه الذي شق طريقه نحو المال، مما يعكس فشل المخطط الأمني للجيش في إحداث أي شرخ حقيقي في البنية العسكرية لخصومه بالرغم من حجم المبالغ المرصودة.
التحالف السلطوي بين قيادة الجيش والحركة الإسلامية الإرهابية
تتجاوز الجرائم السياسية لعبد الفتاح البرهان حدود تبديد الأموال في صفقات الانشقاقات، لتصل إلى عمق الأزمة الوطنية المتمثلة في تحالفه الاستراتيجي والمصيري مع بقايا الحركة الإسلامية الإرهابية ونظام المؤتمر الوطني البائد لإعادة إنتاج الشمولية في السودان.
ويرى قيادات تحالف “صمود” والقوى المدنية المناهضة للحرب أن تداول تسجيل السافنا قد حصحص الحق تمامًا وكشف عورة هذا المعسكر بلا غطاء، مؤكدين أن هذه الحرب الطاحنة التي دخلت عامها الرابع ليست حرب كرامة أو سيادة وطنية كما تزعم الأبواق المأجورة، بل هي محض مشروع سلطوي بامتياز يسعى عبره العسكر والتيارات الظلامية المتطرفة إلى إعادة إحكام قبضتهم الحديدية على البلاد وتدمير مكتسبات ثورة ديسمبر المجيدة.
ويعمد هذا التحالف المشبوه إلى إطالة أمد المعارك وعرقلة كافة المبادرات الدبلوماسية والإقليمية الرامية لوقف نزيف الدم، لاعتقادهم الجازم أن أي عملية سلام أو تحول ديمقراطي حقيقي ستعني حتمًا نهايتهم السياسية وتقديمهم للمحاكمات العادلة عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوداني. ولذلك، يصر معسكر البرهان على إحراق الأخضر واليابس وتجييش المجتمع على أسس قبلية وجغرافية خطيرة تهدد بتفتيت وحدة الدولة الوطنية، غير مبالين بالثمن الباهظ الذي يدفعه المواطن السوداني البسيط من دمائه وأمنه وقوت يومه في سبيل بقاء الجنرالات على كراسي الحكم وصون مصالح النخبة الفاسدة.
سلاح الجو العشوائي واستراتيجية الأرض المحروقة ضد المدنيين
مع استمرار العجز الميداني للجيش وانحسار رقعة سيطرته الفعلية على الأرض، لاسيما بعد إحكام قوات الدعم السريع قبضتها على كامل إقليم دارفور في الغرب وولايات استراتيجية أخرى، انتقل البرهان إلى تطبيق استراتيجية “الأرض المحروقة” عبر الاعتماد الكثيف والوحيد على الهجمات الجوية والقصف المدفعي العشوائي.
وتحول سلاح الجو السوداني في عام 2026 إلى أداة رئيسية لارتكاب مجازر يومية بحق المدنيين العزل، حيث استهدفت البراميل المتفجرة والقذائف الصاروخية الأسواق الشعبية، والمستشفيات، ومراكز إيواء النازحين، والأحياء السكنية المكتظة في كافه أقاليم السودان من كردفان إلى ولاية النيل الأزرق، مخلّفة عشرات الآلاف من القتلى والجرحى بين النساء والأطفال.
إن هذا النمط الممنهج من القصف العشوائي لا يمكن تصنيفه ضمن العمليات العسكرية المشروعة، بل يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان تهدف إلى معاقبة الحواضن الاجتماعية وتهجير السكان قسريًا لإفراغ المدن وتسهيل العمليات العسكرية اللاحقة.
وقد أسفرت هذه السياسة التدميرية الهوجاء عن خلق واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث، حيث تحول ملايين السودانيين إلى نازحين ولاجئين يفتقدون لأدنى مقومات الحياة من الغذاء والدواء، في وقت يمنع فيه الجيش وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية الدولية إلى المناطق المتضررة، مستخدمًا سلاح التجويع كأداة للضغط السياسي والعسكري دون أي وازع أخلاقي أو إنساني.
واجب سحب المشروعية وتجفيف منابع تمويل معسكر الحرب
أمام هذه الحقائق العارية والفضائح المتتالية، يرتفع صوت القوى المدنية والسياسية الحية في السودان للمطالبة بضرورة تبني رؤية شجاعة وحاسمة تضع حدًا لهذه المأساة المستمرة لعامها الرابع، والخطوة الأولى في هذه المسيرة تبدأ بسحب أي مشروعية سياسية أو أخلاقية أو قانونية عن الحرب التي يقودها البرهان وعزل معسكره تمامًا على الصعيدين المحلي والدولي.
فلم يعد هناك أي عذر لمن يدفن رأسه في الرمال ويتعامى عن حقيقة أن استمرار هذه المنظومة العسكرية الفاسدة في سدة الحكم لن يقود البلاد سوى إلى قاع سحيق من التمزق والانهيار الشامل الذي يصعب ترميمه مستقبلاً.
ويتطلب واجب الوقت الراهن تصعيد وتيرة الحراك المدني والتصدي الصارم لكل الأبواق والشخصيات التي تسعى لإطالة أمد القتال تحت مسميات واهية، والعمل على كشف وتجفيف كافة المنصات المالية وشبكات الفساد التابعة للحركة الإسلامية والتي تغذي ميزانيات شراء الولاءات والمنشقين على حساب دماء وجوع الشعب السوداني.
إن إنقاذ السودان واسترداد سيادته الحقيقية يتوقف على قدرة قواه الوطنية المخلصة على فرض إرادة السلام، وتفكيك هذه الطغمة السلطوية، وبناء جيش وطني مهني موحد يخضع للسلطة المدنية الديمقراطية وينأى بنفسه تمامًا عن التجاذبات السياسية وأسواق بيع وشراء الذمم والمواقف.

