ذات صلة

جمع

سيناريوهات الانهيار المؤسسي الكامل.. هل ينجح الزخم الدولي في إنقاذ ليبيا ومؤسساتها؟

تواجه الدولة الليبية في الوقت الراهن منعطفًا تاريخيًا هو...

كيف أصبح لقب «نمبر وان» علامة مميزة في مسيرة محمد رمضان؟

نجح الفنان محمد رمضان في تحويل لقب «نمبر وان»...

الليلة.. عمرو سعد يحل ضيفًا على أحمد مراد في “بيت مراد”

تستضيف قناة ON في حلقة جديدة من برنامج “بيت...

تريزيجيه: سنقاتل في المونديال ومحمد صلاح الأفضل

أكد محمود حسن تريزيجيه، لاعب النادي الأهلي ومنتخب مصر،...

سيناريوهات الانهيار المؤسسي الكامل.. هل ينجح الزخم الدولي في إنقاذ ليبيا ومؤسساتها؟

تواجه الدولة الليبية في الوقت الراهن منعطفًا تاريخيًا هو الأكثر خطورة وتطلبًا للحسم الدبلوماسي منذ ما يزيد عن عقد كامل من الزمن، حيث تتأرجح البلاد بشكل دراماتيكي بين سيناريوهات الانهيار المؤسسي الكامل والتحول الرسمي إلى نموذج الدولة الفاشلة، أو اقتناص فرصة النجاة الأخيرة المتمثلة في الزخم الدولي المتصاعد والمكثف لعام 2026 والرامي إلى إعادة هندسة السلطة وتوحيد كافة الكيانات السيادية والسياسية والملفات الأمنية المنقسمة.

ويتزايد الرهان الأممي والإقليمي بشكل غير مسبوق على المسار الدبلوماسي الجديد كخطوة جوهرية وحيدة للعبور بالبلاد نحو بر الأمان وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة، في وقت تتوالى فيه التحذيرات الصارمة من أن استمرار العبث السياسي والانقسام الإداري الحالي بين حكومتين ومؤسستين عسكريتين متوازيتين سيقود حتمًا إلى تفكيك ما تبقى من تماسك جغرافي وسياسي للدولة الوطنية، وهو ما يجعل المنظومة الدولية تتحرك بجرأة أكبر لوضع حد لهذه المعضلة المزمنة.

وتكثفت التحركات الدولية رفيعة المستوى بداخل الأوساط السياسية لبحث آليات إحياء مشروع دمج الأجهزة السيادية، بدءاً من المؤسسة العسكرية والأمنية وصولاً إلى السلطة التنفيذية والمصرف المركزي، لاسيما بعد أن استشعرت القوى الفاعلة بوضوح أن ضعف فعالية الهياكل الحكومية الحالية لم يعد يهدد العملية السياسية الهشة فحسب، بل بات يهدد الوجود الفعلي للدولة الليبية في ظل تنامي نفوذ الجماعات المسلحة وتجذر الاقتصاد الموازي وتدهور الخدمات العامة.

تشظي السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية

تعد أزمة الانقسام الحكومي والاداري المستمر بين الشرق والغرب واحدة من أبرز المعوقات الهيكلية التي تمنع صياغة أي توافق داخلي متين في ليبيا، حيث تعيش البلاد حالة فريدة من التوازي المؤسسي بوجود حكومتين تتنازعان على الشرعية والسيطرة، الأمر الذي أدى إلى شلل تام في عملية اتخاذ القرار السياسي وتشتيت الموارد المالية والسيادية للدولة بداخل قنوات الصراع الضيقة.

وينعكس هذا التنازع التنفيذي الحاد بشكل مباشر ومأساوي على حياة المواطنين اليومية من خلال التدني الحاد في مستويات الخدمات العامة وانقطاع التيار الكهربائي المستمر وأزمات السيولة النقدية الخانقة، فضلاً عن غياب الرؤية التنموية الموحدة التي يمكنها انتشال البلاد من عثرتها الاقتصادية، مما يعمق الفجوة الاجتماعية ويزيد من حالة الاحتقان الشعبي المكتوم بداخل كافة المدن والأقاليم الليبية دون استثناء.

ويصطدم الطموح الدولي لتوحيد هذه المؤسسات بغياب أساس دستوري وقانوني متين يحظى بقبول كافة الأطراف الفاعلة على الأرض، حيث يرى مراقبون للشأن الليبي أن محاولات دمج السلطتين التنفيذيتين دون معالجة الجذور الحقيقية للأزمة والاتفاق على القواعد الحاكمة للمرحلة الانتقالية لن تتعدى كونها مسكنات مؤقتة تسهم في إدارة الأزمة الحالية بدلاً من إيجاد حل جذري ونهائي لها.

معضلة السلاح وتغلغل الجماعات المسلحة

يمثل الملف الأمني وحجم تغلغل الميليشيات المسلحة بداخل مفاصل الدولة الليبية التحدي الأكثر تعقيدًا وحساسية على الإطلاق، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بملفات السيادة الوطنية والسيطرة الميدانية، حيث ما تزال هذه الجماعات تتعامل مع مؤسسات الدولة والوزارات الخدمية باعتبارها غنائم سياسية وأدوات مالية لخدمة مصالحها الفئوية الضيقة على حساب الصالح العام.

وتقف بنية الميليشيات العسكرية وتعدد ولاءاتها الإقليمية والمحلية حجر عثرة أمام جهود لجنة التنسيق المشترك وأعمال “لجنة 5+5 العسكرية المشتركة”، والتي تسعى جاهدة لوضع اللبنات الأولى لبناء جيش وطني موحد وقادر على حصر السلاح بيد الدولة وفرض القانون، إلا أن غياب الحسم السياسي والضمانات الأمنية الكافية يجعل الأطراف المسلحة متمسكة بمكتسباتها الميدانية والمالية الحالية.

ويؤكد الخبراء بوضوح، أن إصلاح القطاع الأمني وتفكيك هذه الهياكل الموازية يمثل البوابة الرئيسية والوحيدة لتحقيق أي نمو اقتصادي أو جذب للاستثمارات الأجنبية، لاسيما وأن نجاح عمليات تأمين وحراسة الحدود البرية والبحرية المشتركة يرتبط طردياً بمدى قدرة الدولة على دمج المقاتلين وتوحيد العقيدة العسكرية تحت قيادة وطنية موحدة وبعيدة تمامًا عن التجاذبات الحزبية أو القبلية.

الاقتصاد الموازي وتهريب الثروات الوطنية

لم تتوقف الأزمة الليبية عند حدود الصراع السياسي والإنهاك الأمني، بل امتدت لتضرب العمق الاقتصادي من خلال نشوء وتجذر شبكات منظمة للاقتصاد الموازي تعبث بالثروات النفطية والموارد السيادية للبلاد، مما خلق طبقة مستفيدة من استمرار الوضع القائم والانقسام المالي وحالة غياب الرقابة المركزية الصارمة على عمليات الصادر والوارد بالدولة.

وتتجلى هذه الأزمة العميقة في عمليات تهريب الوقود والثروات الوطنية والمنافسة الشرسة للسيطرة على الحقول النفطية والموانئ الحيوية، والتي تمثل شريان الحياة الوحيد والمغذي الرئيسي لميزانية الدولة، مما جعل الاقتصاد الليبي رهينة للتجاذبات السياسية والعسكرية، وأدى في الكثير من الأحيان إلى إغلاق قسري للمنشآت النفطية وتكبيت البلاد خسائر مالية فادحة تعوق مسارات التنمية والارتقاء.

ويتطلب إنقاذ الوضع المالي في ليبيا ضرورة توحيد السياسة النقدية والمصرفية تحت مظلة مصرف ليبيا المركزي، وإنهاء حالة الانقسام المحاسبي التي سمحت بتنامي الدين العام وتراجع القيمة الشرائية للعملة المحلية، وهو الأمر الذي لا يمكن تحقيقه إلا بوجود رغبة حقيقية لدى النخبة الحالية لإعلاء مصلحة الوطن وتفويت الفرصة على شبكات الفساد المستفيدة من هذا التشظي المؤسسي الشامل.

ويبقى التساؤل الاستراتيجي القائم بداخل الشارع الرياضي والسياسي الليبي متمثلاً في مدى جدية المجتمع الدولي وقدرته على ممارسة ضغوط فعلية وحاسمة على الأطراف المحلية لتقديم تنازلات متبادلة، إذ إن استمرار المماطلة وتأجيل الاستحقاق الانتخابي لن يقود البلاد سوى إلى مرحلة أكثر هشاشة وتعقيدًا قد تنتهي بانهيار مؤسسي كامل يصعب بعده ترميم كيان الدولة الوطنية مجددًا.