تعيش ليبيا منذ سنوات حالة من الجمود السياسي غير المسبوق، حيث تراوح الأزمة مكانها بين مبادرات دولية متعثرة وتفاهمات محلية هشة لا تلبث أن تنهار عند أول اختبار حقيقي.
ليبيا
ومع انشغال المجتمع الدولي بملفات ساخنة أخرى في أوروبا والشرق الأوسط، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت ليبيا قد بدأت بالفعل في التحول إلى “نزاع منسي” دوليًا.
وقالت مصادر: إن هذا الجمود ليس مجرد توقف للمفاوضات، بل هو تكريس لواقع الانقسام الذي بات يهدد بتآكل مؤسسات الدولة وسيادتها، في ظل وجود حكومتين تتنازعان الشرعية وسلطة تشريعية منقسمة، مما جعل الطريق نحو صناديق الاقتراع يبدو أبعد من أي وقت مضى، وسط إحباط شعبي متزايد من قدرة الطبقة السياسية الحالية على إنتاج حل وطني شامل.
تراجع الاهتمام الدولي وانعكاساته على ملف الاستقرار
وترى المصادر، أن الأزمة الليبية لم تعد تحتل صدارة الأجندات الدبلوماسية للدول الكبرى، وهو ما منح الأطراف المحلية مساحة أكبر للمناورة والتهرب من الالتزامات السياسية.
إن تحول ليبيا إلى “نزاع منسي” يعني غياب الضغط الدولي الحقيقي الذي كان يدفع الأطراف نحو التوافق، مما أدى إلى حالة من “التعايش مع الأزمة” بدلاً من حلها.
وأكدت المصادر، أن هذا التراجع في الاهتمام الدولي تزامن مع فشل البعثات الأممية المتعاقبة في فرض خارطة طريق ملزمة، مما سمح للقوى الإقليمية بتعزيز نفوذها وتثبيت وجودها العسكري والسياسي، ليصبح القرار الليبي رهينًا لتجاذبات خارجية لا تضع مصلحة ليبيا في المقام الأول، بل تسعى لتأمين مصالحها الاستراتيجية في منطقة حوض المتوسط.
عقدة الانتخابات والمناصب السيادية: صراع على البقاء
تظل قضية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية هي العقدة الكأداء التي تتحطم عليها كافة المبادرات، حيث تتذرع القوى المهيمنة على المشهد بغياب القوانين الانتخابية المتوافق عليها أو عدم توفر الظروف الأمنية المواتية.
إلا أن التحليل الأعمق يشير إلى أن الجمود الحالي يخدم مصالح “نخب الأمر الواقع” التي تخشى أن تطيح بها صناديق الاقتراع من المشهد السياسي.
وأوضحت المصادر، أن هذا الصراع ليس قانونيًا فحسب، بل هو صراع وجودي على السلطة والموارد والمناصب السيادية، حيث يتم استخدام ملف الانتخابات كأداة للمساومة والابتزاز السياسي، مما يجعل من أي محاولة لتقريب وجهات النظر عبر “طاولات مستديرة” أو “لقاءات مصغرة” مجرد محاولات لتدوير الأزمة بدلاً من حلها جذريًا، وهو ما يعزز فرضية الجمود طويل الأمد.
تداعيات الجمود على الاقتصاد والسيادة الوطنية
لا يتوقف أثر الجمود السياسي عند حدود الغرف المغلقة، بل يمتد ليضرب مفاصل الاقتصاد الليبي في مقتل.
فالانقسام المالي والمؤسسي، والصراع حول إدارة عوائد النفط، خلق حالة من التضخم المفرط وتدهور الخدمات الأساسية، مما زاد من معاناة المواطنين اليومية.
إن “اقتصاد الحرب” الذي نشأ في ظل هذا الجمود بات يغذي شبكات المصالح العابرة للحدود، حيث تستفيد قوى محلية وخارجية من غياب الرقابة والشفافية.
وأشارت المصادر، أنه علاوة على ذلك، فإن استمرار هذا الوضع يفتح الباب واسعًا أمام التدخلات الأجنبية وشرعنة وجود القوات الأجنبية والمرتزقة؛ مما يجعل السيادة الوطنية الليبية مجرد شعار يفتقر للتطبيق الفعلي على الأرض، ويزيد من مخاطر تحول البلاد إلى منطقة نفوذ دائم للقوى الدولية المتصارعة.
المصالحة الوطنية المتعثرة: ترميم النسيج الاجتماعي الممزق
في ظل الجمود السياسي، تراجع ملف المصالحة الوطنية الشاملة إلى مراتب متأخرة، رغم أنه يمثل القاعدة الأساسية لأي استقرار مستدام، وإن غياب التوافق السياسي أدى إلى تعميق الشروخ الاجتماعية والمناطقية، حيث يتم تغذية النعرات الجهوية لخدمة أغراض سياسية ضيقة، وبدون مشروع وطني حقيقي يعالج جراح الماضي ويضمن العدالة الانتقالية، سيبقى أي اتفاق سياسي عرضة للانهيار عند أول هزة أمنية.
إن التحول إلى “نزاع منسي” دوليًا يعني أيضًا تراجع الدعم التقني والمالي لمشاريع المصالحة وإعادة الإعمار، مما يترك الليبيين وحدهم في مواجهة تداعيات سنوات من الصراع المسلح، ويزيد من صعوبة بناء هوية وطنية جامعة قادرة على تجاوز الانقسامات الراهنة.

