ذات صلة

جمع

هدوء حذر في أسواق الطاقة.. النفط يتراجع على وقع رهانات السلام بين واشنطن وطهران

شهدت أسواق النفط العالمية تراجعًا ملحوظًا خلال تعاملات الثلاثاء،...

على حافة القرار.. 5 سيناريوهات “واشنطن بين التهدئة والتصعيد مع اقتراب نهاية هدنة إيران”

مع اقتراب انتهاء الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران،...

أقنعة “النهضة” المتساقطة.. كيف سقطت أوهام “الخلافة” والتمكين في تونس؟

تعد التجربة التونسية مع تنظيم الإخوان المسلمين، ممثلاً في...

من بغداد إلى بيروت..كيف تدمر الميليشيات النسيج الاجتماعي عبر “التحريض الطائفي”؟

يمثل تغول الميليشيات والفصائل المسلحة في العراق ولبنان التحدي...

الأمن قبل السياسة.. لماذا تراهن البعثة الأممية على توحيد التشكيلات العسكرية في ليبيا أولاً؟

يشهد الملف الليبي تحولاً جوهرياً في استراتيجية التعامل الدولي مع الأزمة المزمنة، حيث برز توجه واضح من قبل البعثة الأممية يُقدِّم “المسار الأمني” كأولوية قصوى تسبق الترتيبات السياسية النهائية. وتستند هذه الرؤية، التي تتبناها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري، إلى قناعة دولية متزايدة بأن فشل إجراء الانتخابات في ديسمبر 2021 لم يكن لغياب التوافق القانوني فحسب، بل نتيجة لغياب بيئة أمنية موحدة تضمن حماية الصناديق وقبول النتائج.

ومن هنا جاء الرهان الأممي على توحيد التشكيلات العسكرية ومراكز القوة في الشرق والغرب كخطوة أولى لا غنى عنها. ويهدف هذا المسار إلى إنهاء حالة الازدواجية الأمنية وتفكيك مراكز النفوذ المتعارضة، بما يسمح ببناء مؤسسة عسكرية نظامية تخضع لسلطة مدنية موحدة. وهو ما ظهر جلياً في اللقاءات الرفيعة التي عقدتها البعثة مؤخراً مع القيادات العسكرية في بنغازي، تزامناً مع انطلاق تمرين “فلينتلوك 2026” في سرت، الذي عكس رغبة دولية في رفع جاهزية القوات النظامية الليبية وتدريبها وفق معايير احترافية موحدة تتجاوز الانقسامات الجهوية والسياسية.

انخراط البعثة الأممية مع مراكز القوة العسكرية

يعكس اللقاء الأخير الذي عقدته نائبة المبعوث الأممي ستيفاني خوري مع نائب القائد العام للقوات المسلحة صدام حفتر، بحضور مستشار الأمن القومي عبد الرازق الناظوري، تحولاً في أسلوب الانخراط الأممي، حيث باتت البعثة تميل نحو “الواقعية السياسية” من خلال الحوار المباشر مع القوى الفاعلة على الأرض.

وأكدت خوري خلال هذه المباحثات أن توحيد المؤسسة العسكرية ليس مجرد هدف فني، بل هو ضمانة لاستدامة أي اتفاق سياسي مستقبلي، حيث يُسهم دمج التشكيلات المختلفة في تقليل احتمالات العودة إلى الصراع المسلح عند حدوث أي خلافات سياسية. كما رحبت البعثة بالخطوات المشتركة لتبادل المعلومات والتنسيق الميداني بين ضباط من الشرق والغرب، معتبرة أن هذه “اللقاءات العسكرية المباشرة” تكسر حاجز الجمود وتؤسس لثقافة العمل الوطني المشترك.

ورغم وجود تحديات لوجستية وعقائدية داخل بعض الفصائل، فإن الضغط الدولي المسنود بمباركة واشنطن ولندن يدفع نحو استكمال هذا المسار كضرورة ملحة لحماية الحدود ومكافحة الإرهاب وضمان استقرار تدفقات النفط التي تمثل عصب الاقتصاد الليبي.

الترابط بين الإنفاق الموحد والاستقرار الأمني

لا ينفصل المسار الأمني في رؤية البعثة الأممية لعام 2026 عن المسار الاقتصادي، حيث يمثل “اتفاق الإنفاق المالي الموحد”، الذي حظي بمباركة دولية واسعة، حجر الزاوية لتوفير الرواتب والميزانيات اللازمة لعملية دمج القوات.

وترى مصادر أن توحيد الخزانة العامة يقطع الطريق على التمويل الموازي الذي كان يغذي الانقسامات العسكرية، مما يجبر كافة التشكيلات على الدخول تحت مظلة الدولة لضمان استحقاقاتها المالية. وقد أشاد الجانب الأمريكي، عبر ممثليه، بالجهود التي بذلها رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بالتنسيق مع القوى في الشرق للوصول إلى هذا الاتفاق غير المسبوق منذ 13 عاماً. إن ضمان الشفافية المالية يسمح بتوجيه الموارد نحو بناء جيش وطني احترافي بدلاً من هدرها في نزاعات داخلية، وهو ما يمهد الطريق أمام البعثة الأممية لإقناع الأطراف الدولية والإقليمية المتدخلة في ليبيا بأن الدولة باتت تمتلك هيكلاً أمنياً ومالياً صلباً يمكن البناء عليه لإجراء انتخابات وطنية شاملة تنهي المرحلة الانتقالية الطويلة.

تمرين فلينتلوك 2026 ورسائل الجاهزية الدولية

يمثل انطلاق تمرين “فلينتلوك 2026” في مدينة سرت دلالة رمزية وعملية قوية على توجه المجتمع الدولي لتعزيز المؤسسات النظامية، حيث تشارك في هذا التمرين قوات من مختلف المناطق الليبية تحت إشراف دولي، مما يعزز من مفهوم “السيادة الوطنية المشتركة”. ويهدف التمرين إلى بناء قدرات القوات الليبية في مواجهة التهديدات العابرة للحدود وتطوير آليات التنسيق الميداني بين الوحدات المختلفة.

وتعتبر البعثة الأممية أن نجاح مثل هذه التمارين المشتركة يبعث برسالة طمأنة للشارع الليبي وللمجتمع الدولي بأن القوات المسلحة الليبية بدأت تتجاوز خلافات الماضي وتتجه نحو الاحترافية العسكرية. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر هو تحويل هذه التفاهمات الفنية والميدانية إلى “عقيدة عسكرية موحدة” تلتزم بالحياد السياسي، حيث تحذر التقارير الدولية من أن غياب الضمانات السياسية الكافية قد يجعل هذه القوات عرضة للتجاذبات مجدداً، ما يفرض على البعثة الأممية مواصلة الضغط لربط النجاح الأمني بجدول زمني واضح للانتخابات البرلمانية والرئاسية.

مستقبل التوافق في ليبيا

إن مراهنة البعثة الأممية على توحيد التشكيلات العسكرية أولاً في أبريل 2026 تعكس إدراكاً عميقاً بأن السياسة في ليبيا لا يمكن أن تستقر فوق رمال أمنية متحركة، فبناء الثقة بين القادة العسكريين وتوحيد قنوات الصرف المالي يمثلان “الأساس المتين” الذي سيحمل بناء الدولة القادم.

ومع استمرار الزخم الدولي وتصاعد الرغبة الشعبية في الاستقرار، تبدو الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى لإنهاء حالة الانقسام المؤسسي.

إن رسالة المجتمع الدولي لليبيين في هذه المرحلة هي أن الطريق نحو الصندوق يبدأ من تأمين الميدان، وأن الجيش الموحد هو الحارس الوحيد للسيادة الوطنية بعيداً عن التدخلات الخارجية. ويبقى الأمل معقوداً على أن تتحول تفاهمات سرت وبنغازي وطرابلس إلى واقع مستدام ينهي معاناة الشعب الليبي، ويضع البلاد على أعتاب مرحلة جديدة من البناء والديمقراطية تحت ظل راية واحدة وجيش واحد يحمي ولا يهدد، يبني ولا يهدم.