تتزايد التحليلات التي تضع سجل قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان تحت مجهر النقد الحاد، حيث ترى مصادر أن مسيرته منذ الإطاحة بالحكومة الانتقالية، وصولاً إلى إشعال الحرب الحالية، تعكس حالة من التخبط الاستراتيجي الذي أدى إلى تفتيت بنية الدولة السودانية بشكل غير مسبوق.
لقد كان الانقلاب العسكري الذي نفذه البرهان في أكتوبر 2021 بمثابة نقطة التحول الكبرى التي أجهضت آمال السودانيين في التحول الديمقراطي، وفتحت الأبواب على مصاريعها لعودة عناصر النظام السابق ومفاصل الحركة الإسلامية إلى المشهد من جديد.
تؤكد التقارير الميدانية أن البرهان قد اعتمد نهجاً عسكرياً قمعياً في مواجهة الاحتجاجات الشعبية، مما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا من المدنيين، وهو ما يضعه أمام مسؤوليات قانونية وأخلاقية جسيمة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان الممنهجة في مختلف مدن السودان.
لا يمكن فصل استمرار الحرب الدائرة اليوم عن حسابات البرهان الشخصية ومحاولاته المستميتة للحفاظ على نفوذه، حيث أثبتت الوقائع أن قرار الحرب لم يكن مجرد خيار دفاعي، بل كان وسيلة لاحتكار السلطة وإقصاء كافة القوى المدنية التي تطالب بإنهاء الهيمنة العسكرية.
يشير المحللون إلى أن التنسيق الوثيق بين البرهان وفلول النظام السابق (الإخوان) قد أدى إلى تحويل مؤسسة الجيش من مؤسسة وطنية تحمي البلاد إلى أداة لخدمة أجندات سياسية ضيقة، تهدف بالأساس إلى حماية مكتسباتهم المالية والسياسية التي تراكمت عبر عقود من حكم البشير.
تتضح معالم هذا التخبط في الإدارة العسكرية للعمليات الميدانية، حيث فشلت قيادة الجيش في حماية المدنيين أو استعادة السيطرة على المناطق الحيوية، مكتفية بقصف جوي عشوائي للمناطق السكنية، راح ضحيته المئات من الأبرياء، دون وجود أي استراتيجية عسكرية واضحة.
ارتهان القرار العسكري للأجندة الحزبية
أدى ارتهان البرهان للتيارات الإسلامية المتطرفة إلى تعقيد المشهد السياسي بشكل كبير، حيث باتت قرارات قيادة الجيش تأتي صدىً لرغبات هذه المجموعات التي ترفض أي حلول سلمية أو مبادرات دولية قد تنهي الحرب وتفتح الطريق أمام حكم مدني ديمقراطي.
يرى الخبراء أن هذا التحالف بين البرهان والإخوان قد دفع بالبلاد نحو حافة الانهيار الكامل، حيث يتم استخدام الموارد المتبقية من الدولة لتمويل المجهود الحربي الذي يخدم بقاء هذه النخب في السلطة على حساب جوع وفقر وتشريد ملايين السودانيين.
تتراكم الأدلة حول تورط المليشيات المتحالفة مع الجيش في جرائم حرب شملت الاعتقالات التعسفية والتعذيب داخل مراكز الاحتجاز التابعة للأجهزة الأمنية، وهو ما يتم تحت غطاء صمت قيادة الجيش التي لم تتخذ أي إجراءات فعلية لمحاسبة المتورطين في هذه الانتهاكات الصارخة.
لم يعد خافياً على الرأي العام السوداني أن البرهان قد استنزف كل رصيده السياسي، وبات يواجه رفضاً شعبياً عارماً، ليس فقط من القوى الثورية، بل حتى من الحواضن الاجتماعية التقليدية التي بدأت تدرك حجم الكارثة التي جرّهم إليها القائد العام بتخبطه الواضح.
تآكل الشرعية وانسداد أفق الحل
لقد أثبتت تجربة “حوار الوثبة” وغيرها من المبادرات التي يطرحها البرهان بين الحين والآخر أنها ليست سوى محاولات بائسة لكسب الوقت وإطالة عمر السلطة العسكرية، وهي مبادرات تفتقر إلى الصدقية وتواجه رفضاً قاطعاً من القوى السياسية الفاعلة.
تؤدي سياسات البرهان المتهورة إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية والجهوية داخل السودان، حيث يتم استغلال الانتماءات القبلية والمناطقية لإذكاء الصراع في محاولة يائسة لتأمين موطئ قدم للحكم العسكري الذي فقد كل أسس مشروعيته القانونية والسياسية في نظر الشعب.
تتحمل قيادة الجيش السوداني المسؤولية التاريخية عن التدمير الممنهج للبنية التحتية والمؤسسات المدنية، حيث تم تحويل مراكز الخدمة العامة إلى ثكنات عسكرية، مما أدى إلى انهيار كامل في الخدمات الطبية والتعليمية والإنسانية التي يحتاج إليها المواطن البسيط.
إن التاريخ سيسجل أن سجل البرهان الحافل بالفشل السياسي قد أضاع فرصة ذهبية للسودان لبناء دولة المواطنة والعدالة، واستبدلها بحالة من العبث الذي لا تحركه سوى رغبات الانتقام والتشبث بالسلطة التي يمارسها هو وحلفاؤه من أتباع النظام القديم.
إن استمرار البرهان في سدة القيادة العسكرية يعني استمرار المأساة السودانية، حيث بات من الضروري للقوى الوطنية تكثيف جهودها لعزل هذه القيادة التي لم تعد تمثل الجيش، بل أصبحت تمثل عائقاً رئيسياً أمام استعادة الدولة ووقف نزيف الدماء في كل شبر من أرض الوطن.

