ذات صلة

جمع

الهروب من الاعتراف بالكارثة.. كيف يحاول البرهان التغطية على الانكسارات الميدانية؟

دخلت الحرب في السودان منعطفًا كارثيًا ألقى بظلاله الثقيلة...

هل يدخل الاقتصاد اللبناني مرحلة “الموت السريري” بفعل الركود التضخمي؟

عندما تسير في شوارع بيروت النابضة بالحياة ليلاً، قد...

قلعة الشقيف بجنوب لبنان.. موقع استراتيجي يتصدر المشهد من جديد

عادت قلعة الشقيف التاريخية في جنوب لبنان إلى دائرة...

الهروب من الاعتراف بالكارثة.. كيف يحاول البرهان التغطية على الانكسارات الميدانية؟

دخلت الحرب في السودان منعطفًا كارثيًا ألقى بظلاله الثقيلة على حياة ملايين المواطنين، محولاً البلاد إلى مسرح لأسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم في العصر الحديث وفقًا لتوصيفات الأمم المتحدة الرسمية.

ورغم تدفق شلالات الدماء ونزوح أكثر من 11 مليون سوداني وفقدان الجيش لـ 70% من المساحات الاستراتيجية، يصر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان على التمسك بخطاب عسكري تصعيدي منفصل تمامًا عن الواقع الميداني المرير.

هذا الإصرار على مواصلة القتال والهروب المستمر من الاعتراف بحجم الكارثة العسكرية والإنسانية، يطرح علامات استفهام كبرى حول أبعاد التكتيكات السياسية التي يتبعها البرهان للتغطية على الانكسارات المتتالية لقواته، والتي تمثلت مؤخرًا في إطلاق دعوات مشبوهة لحوار سياسي شامل وصفته القوى الثورية الحية بأنه مجرد مناورة بائسة لكسب الوقت وإعادة تدوير عناصر النظام البائد.

المناورات السياسية للبرهان ومخطط الالتفاف على شروط التسوية الدولية

تكشف القراءة المتأنية لتوقيت وسياق المبادرات السياسية التي يطرحها عبد الفتاح البرهان، لا سيما دعوته الأخيرة لما يسمى “الحوار السوداني الشامل”، عن رغبة واضحة في القفز فوق الحقائق العسكرية الصادمة على الأرض والالتفاف الكامل على مخرجات الآلية الدولية والإقليمية.

ففي الوقت الذي تشترط فيه القوى الدولية الفاعلة إبعاد الإسلاميين وعناصر المؤتمر الوطني عن المشهد كشرط أساسي لوقف الحرب، يتجه البرهان إلى فتح الأبواب الخلفية لإعادة تمكين تنظيم الإخوان المسلمين وتثبيت أركان حكمه عبر واجهات مدنية مصنوعة.

وترى مصادر وقيادات في حركة تحرير السودان الديمقراطية، أن هذه الخطوات ليست سوى محاولة لخلع البذلة العسكرية وتصدير البرهان كبطل مدني داعم للسلام، في حين أن سجل قيادته العسكرية يحفل بانتهاكات جسيمة وجرائم حرب نجمت عن القصف الجوي العشوائي للمناطق السكنية وتدمير البنى التحتية الحيوية للمواطنين.

ولم تقف حدود هذه الكارثة عند تدمير المدن، بل امتدت لتشمل ارتدادًا كاملاً عن مكتسبات وثورة ديسمبر المجيدة، حيث تحولت وزارة الدفاع والمؤسسات الأمنية في عهد البرهان إلى أدوات لحماية المصالح الضيقة لفلول النظام السابق الذين أشعلوا فتيل الحرب الحالية للاستحواذ مجدداً على مقاليد السلطة.

إن محاولة تصدير خطاب “تطهير البلاد” في ظل الهزائم الميدانية المتلاحقة وخسارة المواقع الحيوية يوضح حجم العزلة التي تعيشها القيادة العسكرية الحالية، والتي ترفض بشكل قاطع الاستماع إلى صوت العقل والمبادرات الصادقة لوقف إطلاق النار، مفضلة المضي قدمًا في خيار الحسم العسكري المستحيل الذي يدفع ثمنه المواطن السوداني البسيط من دمه وقوته يوميًا.

مطالب العدالة الانتقالية وشروط القوى الثورية لإنهاء الحقبة العسكرية

أمام هذا الإصرار على المراوغة، تبدو مواقف القوى المدنية وجبهات الكفاح المسلح المساندة للثورة أكثر صلابة وتحديداً في مواجهة خطط إعادة إنتاج الديكتاتورية؛ إذ تجمع القوى الحية على رفض المشاركة في أي حوار صوري يغسل جرائم القيادة العسكرية الحالية أو يمنح شرعية جديدة لرموز تنظيم الإخوان المسلمين.

وتتمثل الشروط الأساسية لأي انتقال ديمقراطي حقيقي في المحاسبة الفورية لكافة المتورطين في إشعال الحرب، وتسليم المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية وعلى رأسهم الرئيس المخلوع عمر البشير لارتكابهم جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي، بالإضافة إلى تأسيس جيش وطني مهني جديد وموحد يستوعب الفصائل الثورية ويخضع بالكامل للسلطة المدنية الديمقراطية.

وتؤكد التقارير الميدانية المؤثقة، أن استمرار البرهان في تبني سياسة الأرض المحروقة وعدم الاكتراث بالتحذيرات الأممية حول تفشي المجاعة والأوبئة في معسكرات النزوح، يضع البلاد أمام سيناريو التفتت الكامل والانهيار الوشيك للدولة.

إن الطريق نحو السلام المستدام في السودان لا يمر عبر تسويات مشوهة تعيد تدوير الوجوه القديمة، بل يتطلب إنهاءً فوريًا للحقبة العسكرية وتدشين مسار قضائي مستقل يحقق العدالة الانتقالية وينصف الضحايا، بما يضمن عدم تكرار مآسي الماضي ويؤسس لدولة قانون حقيقية تتسع لجميع السودانيين دون إقصاء أو تمكين حزبي ضيق.