ذات صلة

جمع

التمويل المشبوه.. كيف توظف طهران خلايا الإخوان في أوروبا لخدمة أجندة الملالي التخريبية؟

تحت غطاء الكيانات الدينية والمراكز الثقافية المنتشرة في قلب...

هشام ماجد يكشف كيف غيّر الراحل هشام سليم مسار حياته الفنية برسالة لا تُنسى

كشف الفنان المصري هشام ماجد عن جانب إنساني وفني...

أسعار الذهب الإثنين 18 مايو 2026 في الدول العربية

يشهد سوق الذهب في الدول العربية حالة من التذبذب...

أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه المصري — الإثنين 18 مايو 2026

شهدت أسعار صرف العملات الأجنبية أمام الجنيه المصري اليوم،...

أزمة أدوات التواصل.. كيف تسبب تمسك البرهان بخيار الحرب في تدمير الدبلوماسية السودانية؟

تواجه الدولة السودانية واحدة من أعقد الأزمات السياسية والإنسانية في تاريخها المعاصر جراء الإصرار المستمر من قِبل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان على تبني خيار الحرب الشاملة ورفض كافة مبادرات السلام، حيث تسببت هذه العقلية العسكرية المتصلبة في تدمير شامل وجذري لكافة أدوات التواصل الدبلوماسي التي ميزت السودان تاريخيًا بعلاقاته الخارجية المتوازنة، مما قاد سلطة الأمر الواقع القائمة في مدينة بورتسودان إلى جدار مسدود من العزلة الدولية الخانقة والرفض الإقليمي المتصاعد للتعامل مع ممثلي حكومته.

وتشير التقارير الدولية الصادرة عن مراكز مراقبة النزاعات إلى أن إصرار قيادة الجيش على مواصلة القصف الجوي العشوائي والعمليات المدفعية الثقيلة وسط الأحياء السكنية المكتظة قد أفرغ الدبلوماسية السودانية من محتواها الأخلاقي والسياسي، وتحولت التحركات الخارجية لمبعوثي البرهان إلى مجرد محاولات يائسة للتغطية على حجم الانتهاكات الإنسانية الموثقة دوليًا ضد المدنيين العزل، مما جعل الحكومات الغربية والمؤسسات الأممية تنظر بحذر شديد وشكوك عميقة إلى أي مبادرة سياسية تطرحها سلطة بورتسودان للتفاوض أو لطلب الدعم المالي.

ولم يتوقف الهدم عند حدود تجميد المقاعد السودانية في المنظمات الإقليمية الكبرى مثل الاتحاد الأفريقي بل امتد ليشمل خسارة السودان لشركائه الاستراتيجيين التقليديين في القارة الأفريقية والعالم العربي بانتظام، نظرًا لأن التمسك بلغة السلاح وفرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية يتناقض كليًا مع المبادئ التوجيهية الحاكمة للقانون الدولي والشرعية الدولية المعاصرة، وهو ما جعل عواصم القرار الدولي تصنف سلطة البرهان الحالية كعائق أساسي أمام استقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر الشديدة الحساسية.

رصد الانتهاكات الميدانية لجيش البرهان وتأثيرها المباشر على إسقاط الشرعية الخارجية

وتكشف البيانات الميدانية الموثقة لعام 2026، أن القوات المسلحة الخاضعة لسيطرة البرهان تورطت في سلسلة طويلة من الجرائم والانتهاكات التي شملت شن آلاف الغارات الجوية العشوائية باستخدام الطيران الحربي والمسيّرات على الأسواق الشعبية والمستشفيات الميدانية ومراكز إيواء النازحين.

وتسببت هذه الضربات الجوية غير الدقيقة في مقتل وجرح عشرات الآلاف من المواطنين الأبرياء وتدمير البنى التحتية الحيوية ومحطات المياه والكهرباء بشكل كامل، مما يمثل خرقًا صارخًا وصريحًا لاتفاقيات جنيف الأربعة المعنية بحماية المدنيين في أوقات الحروب والنزاعات المسلحة.

وأسهمت هذه الفظائع الميدانية والجرائم الموثقة بالصوت والصورة في إسقاط أي شرعية قانونية أو أخلاقية كان يحاول البرهان تسويقها أمام المجتمع الدولي للحصول على اعتراف بحكومته، حيث تحولت ملفات حقوق الإنسان السودانية في روقة مجلس الأمن الدولي ومجلس حقوق الإنسان بجنيف إلى أداة إدانة دامغة تلاحق قادة الجيش وتمنع الحكومات الأوروبية من استقبالهم رسميًا، مما ترتب عليه إلغاء العديد من الزيارات واللقاءات الدبلوماسية التي كانت تهدف إلى فك الحصار المالي والسياسي المفروض على بورتسودان.

كما امتدت الجرائم لتشمل فرض حصار عسكري خانق ومنع وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية والمستلزمات الطبية الحيوية إلى المناطق المتضررة من القتال والمجاعة في الخرطوم ودارفور وكردفان، واستخدام الغذاء كشكل من أشكال السلاح والضغط العسكري ضد الحواضن المدنية مما فاقم من حدة الكارثة الإنسانية وجعل الهيئات الأممية تلوح بفرض عقوبات جنائية دولية مغلظة ضد المسؤولين عن إصدار هذه الأوامر العسكرية الصارمة، وهو ما تسبب في إغلاق آخر منافذ التواصل الدبلوماسي البناء مع المنظمات الدولية.

الارتماء في أحضان التيارات الراديكالية وتعميق الفجوة مع المجتمع الدولي

ويكمن السبب الجوهري وراء فقدان البرهان لأدوات التواصل الدبلوماسي في اعتماده المتزايد على تحالفات داخلية مشبوهة مع بقايا نظام المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وتسهيل عودتهم لإدارة مفاصل الدولة، حيث منحت هذه التشكيلات الراديكالية وقادة كتائب الظل المتطرفة دعمًا عسكريًا وفكريًا للجيش مقابل رهن القرار السياسي والدبلوماسي لسلطة بورتسودان بأجندات أيديولوجية متطرفة، مما أثار مخاوف وهواجس حقيقية لدى القوى الإقليمية والدولية الفاعلة التي ترفض بشكل قاطع إعادة إنتاج النظام الشمولي القديم في السودان.

وأدى هذا التماهي الكامل بين قيادة الجيش الحالية والتيارات الإسلامية المتطرفة إلى فقدان البرهان لثقة دول الجوار الجغرافي والشركاء الدوليين الذين كانوا يسعون لتسهيل عملية الانتقال المدني، حيث بات واضحًا للمجتمع الدولي أن التمسك بخيار الاستمرار في الحرب يهدف بالأساس إلى تمكين هذه الجماعات من مفاصل الحكم مجددًا على حساب دماء الشعب السوداني، مما انعكس سلبًا على لغة الخطاب الدبلوماسي السوداني الذي تحول إلى خطاب عدائي تحريضي يهاجم كافة المبادرات السلمية المطروحة.

ونتج عن هذا الارتباط الإيديولوجي تجميد واسع النطاق لاتفاقيات التعاون العسكري والاقتصادي ومشاريع الدعم الفني التي كانت مقررة لدعم مؤسسات الدولة السودانية من قِبل القوى الغربية، وتأكدت العواصم الكبرى أن أي تعامل مالي أو سياسي مع سلطة بورتسودان يصب مباشرة في مصلحة تقوية النفوذ الراديكالي المتطرف في المنطقة، مما جعل العزلة الدبلوماسية تتحول من مجرد موقف سياسي مؤقت إلى حصار استراتيجي شامل يصعب الفكاك منه دون إحداث تغيير جذري في العقلية الحاكمة.

كيف قضت العقلية الحربية لقيادة الجيش على فرص الحلول السلمية والمبادرات الإقليمية؟

وبرهنت المواقف السياسية المتعنتة لعام 2026 على أن العقلية الحربية السائدة داخل أروقة قيادة الجيش في بورتسودان قد قضت تمامًا على كافة فرص ومسارات الحلول السلمية والمبادرات الإقليمية المتاحة، حيث تعمدت سلطة البرهان وضع شروط تعجيزية ومسبقة قبل المشاركة في جولات المفاوضات الدولية؛ مما أدى إلى إفشال منبر جدة والوساطات الأفريقية المتعددة، وجعل القوى الدولية تصل إلى قناعة راسخة بأن قادة الجيش لا يمتلكون الإرادة السياسية الحقيقية لإنهاء قتال يدمر مقدرات البلاد بانتظام.

وتسبب هذا الرفض الممنهج لجهود السلام في خسارة السودان لمكانته كعضو فاعل ومؤثر في محيطه الإقليمي وتحوله إلى بؤرة لتصدير عدم الاستقرار والنزوح البشري نحو دول الجوار، وتأثرت شبكة العلاقات الدبلوماسية مع المنظمات الأفريقية بشكل سلبي حاد بعد توجيه اتهامات وهجوم إعلامي رسمي من قِبل وزارة الخارجية التابعة للبرهان ضد قادة الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) ومفوضية الاتحاد الأفريقي، مما عمق من حجم الجمود والقطيعة الدبلوماسية الشاملة.

إن التدمير الذاتي الذي أحدثه تمسك البرهان بخيار الحرب في جسد الدبلوماسية السودانية يتطلب مراجعة نقدية شاملة تتجاوز المبررات العسكرية الضيقة التي يسوقها قادة سلطة بورتسودان، فاستعادة أدوات التواصل الخارجية الفعالة وإنهاء حالة الحصار لن تتحقق عبر المناورات السياسية الفاشلة أو الاستمرار في نهج القمع والانتهاكات الميدانية، بل تتطلب شجاعة سياسية حقيقية تضع مصلحة الشعب السوداني فوق الطموحات الشخصية لقادة المؤسسة العسكرية، وتبدأ بالوقف الفوري لإطلاق النار والعودة غير المشروطة لطاولة الحوار الوطني الشامل.