يواجه القطاع الزراعي والمعيشي في اليمن واحدة من أعنف الأزمات الاقتصادية المركبة التي تهدد بتدمير ما تبقى من ركائز الأمن الغذائي، حيث تحولت أسعار المشتقات النفطية، وتحديدًا مادة الديزل، إلى سلاح حرب غير معلن تستخدمه المليشيات الحوثية لإخضاع المدنيين ومضاعفة أرباح قياداتها على حساب قوت الشعب اليمني المنهك.
ومع صدور القرارات السعرية الأخيرة والارتفاعات المتتالية في كلفة الوقود عالمياً، استغلت الجماعة الانقلابية هذه التطورات لتغذية أسواقها السوداء وفرض حزم جديدة من الإتاوات والجبايات غير القانونية على شاحنات النقل ومستوردي الطاقة، مما أدى إلى قفزة جنونية في سعر صفيحة الديزل سعة 20 لترًا لتتجاوز مستويات قياسية أثقلت كاهل المزارع والمستهلك على حد سواء.
هذا الإفقار الممنهج تخطى حدود الأزمة العابرة ليصبح مهددًا مباشرًا للمحاصيل والآبار التي تعتمد كليًا على الوقود، مما ينذر بموجة غلاء طاحنة تضرب الأسواق المحلية وتعمق المأساة الإنسانية التي تصنفها التقارير الدولية بالأشد قسوة في المنطقة.
سياسة الأرض المحروقة واستهداف مضخات الري في المحافظات الشمالية
تؤكد المعطيات الميدانية والتقارير الاقتصادية الصادرة عن مكاتب الزراعة والري في اليمن، أن الجبايات الحوثية المفروضة على قطاع الوقود ضربت الإنتاج الزراعي المحلي في مقتل، حيث يعتمد غالبية المزارعين في المحافظات الشمالية، مثل ذمار وإب وعمران، على مادة الديزل بشكل كامل لتشغيل مضخات استخراج المياه الجوفية وتسيير الجرارات والمحاريث الميكانيكية.
ومع تشديد الحصار الحوثي الداخلي واحتجاز قوافل الوقود لمنع بيعها بالأسعار الرسمية وتحويلها إلى منافذ السوق السوداء التابعة للمشرفين العقائديين، ارتفعت تكلفة العملية الزراعية إلى مستويات عجز معها الفلاح البسيط عن ري أرضه؛ مما أجبر المئات منهم على ترك محاصيلهم للتلف وهجرة مزارعهم خوفًا من الديون المتراكمة، وهو ما يمثل تدميرًا متعمدًا لسلة الغذاء اليمنية التي تغذي ملايين المواطنين.
ولم تقتصر الانتهاكات الحوثية عند حدود التحكم بأسعار الديزل في المنافذ الرئيسية، بل امتدت لتشمل فرض جمارك مزدوجة ورفع سعر الدولار الجمركي على كافة المدخلات الزراعية المستوردة، مثل الأسمدة الكيماوية والمبيدات والبذور المحسنة، تحت ذريعة التمويل الحربي ومجهودات التصنيع العسكري.
هذه السياسة التدميرية خلقت حالة من الشلل التام في حركة الأسواق والإنتاج، وتسببت في تداخل مياه الملوحة مع التربة نتيجة التوقف المتكرر لآبار الارتواز العاجزة عن التزود بالوقود، مما يثبت أن الجماعة الانقلابية لا تكترث بتحذيرات الهيئات الدولية حول تفشي المجاعة، بل توظف حاجة الناس الأساسية للمياه والطعام كأوراق ضغط سياسي واقتصادي لتركيع المجتمع وبسط نفوذها المالي المطلق.
حرب إتاوات الطرقات وكلفة شاحنات النقل بين الشمال والجنوب
يتجلى الوجه الآخر للجرائم الاقتصادية الحوثية في منظومة الابتزاز المالي الممارس علنًا في نقاط التفتيش والحواجز العسكرية المنتشرة على الطرق الشريانية الرابطة بين المحافظات الشمالية والمدن الجنوبية والشرقية، حيث تخضع شاحنات نقل المحاصيل والبطاطس والخضراوات لإتاوات إجبارية باهظة ومتقلبة يفرضها قادة المليشيا دون أي مسوغ قانوني.
ووفقًا لخبراء التسويق الزراعي، فإن تكلفة نقل الشحنة الواحدة القادمة من مناطق الإنتاج الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى الأسواق المركزية في عدن والمحافظات المجاورة قفزت من مستويات مستقرة نسبيًا إلى أكثر من مليون ونصف المليون ريال يمني للشاحنة الواحدة، وهي كلفة باهظة يتحملها المواطن المستهلك الذي يجد نفسه مجبراً على شراء السلع الغذائية الأساسية بأسعار مضاعفة تتجاوز قدرته الشرائية المنعدمة أساسًا بسبب انقطاع الرواتب.
هذا التلاعب الحوثي المتعمد بأسعار الصرف وافتعال الأزمات النقدية من خلال منع تداول العملات المحلية القانونية في مناطق سيطرتهم، ساهم في تعميق الانقسام المصرفي والاقتصادي للبلاد، وحرم الفلاحين في مناطق الوديان الخصبة من ميزات استقرار الأسعار، مما جعل حركة شاحنات النقل مغامرة اقتصادية غير مأمونة العواقب ومحفوفة بمخاطر المصادرة أو الاحتجاز الطويل في منافذ الجباية الحوثية المستحدثة.
إن استمرار هذه الممارسات، بالتزامن مع الارتفاعات العالمية في أسعار الإمدادات، يضع حركة التبادل التجاري الداخلي في اليمن أمام حائط مسدود، ويدفع بقطاع النقل والخدمات نحو الانهيار الوشيك، مما يعزل المدن ويحولها إلى جزر معزولة تعاني الجوع والعطش المصطنع.
سيناريوهات الانهيار الغذائي القادم في ظل استمرار الحصار الانقلابي
تضع هذه المعطيات الكارثية مستقبل الاستقرار الاجتماعي والمعيشي في اليمن أمام سيناريوهات قاتمة للغاية خلال الفترة القادمة، ما لم تكن هناك وقفة حازمة لإنهاء سيطرة المليشيات على قطاعات الطاقة والموارد السيادية، حيث يحذر خبراء الاقتصاد من أن استمرار تجارة الأسواق السوداء الحوثية سيؤدي حتمًا إلى قضاء تام على ما تبقى من الزراعة المروية في البلاد، والتحول الكامل نحو الاعتماد على السلع المستوردة من الخارج، وهو أمر مستحيل في ظل ضعف العملة الوطنية وتوقف الصادرات.
إن حرمان المواطن اليمني من الحصول على ديزل نظيف وبسعر عادل لتشغيل مصانعه ومزارعه وسيارات نقل أقواته، يعد جريمة إبادة جماعية صامتة تفوق في آثارها التدميرية نتائج المواجهات العسكرية المباشرة في الجبهات.
إن الدرس المستفاد من أزمة الوقود الراهنة في اليمن يؤكد أن المشكلة لا تكمن فقط في تقلبات الأسواق العالمية أو اضطرابات خطوط الإمداد بمدخلات الطاقة، بل ترتبط بشكل وثيق بوجود سلطة انقلابية في صنعاء تتغذى على الأزمات، وترى في جوع المواطنين وعطش المزارعين فرصة سانحة للتربح المالي السريع وتمويل مشاريعها السياسية الطائفية.
وطالما بقيت مضخات المياه والآبار وشاحنات النقل تحت رحمة الجبايات الحوثية الجائرة، فإن شبح المجاعة سيظل يطرق أبواب كل منزل يمني، مما يتطلب استراتيجية وطنية ودولية موحدة لكسر هذا الحصار المالي والاقتصادي المفروض على الشعب اليمني، وإعادة الاعتبار لقطاع الزراعة باعتباره شريان الحياة الوحيد المتبقي لإنقاذ الملايين من الهلاك.

