ذات صلة

جمع

تحالفات الدم والمال.. كيف يُدمّر الحوثيون استقرار القرن الأفريقي لأجل أجنداتهم المالية؟

لم يعد الدور التخريبي لميليشيات الحوثي مقتصرًا على الداخل اليمني أو استهداف السفن في البحر الأحمر، بل تجاوز ذلك ليشمل نسج شبكات معقدة من التنسيق والتعاون مع التنظيمات المتطرفة والجماعات المسلحة في منطقة القرن الأفريقي.

حيث تسعى هذه المليشيات إلى تحويل الممرات المائية الدولية إلى ساحات خلفية لعمليات تهريب السلاح وتمويل الأنشطة غير المشروعة، متخذة من “المال” وقودًا لاستمرار مشروعها الانقلابي الذي يرفض الانصياع لأي معايير دولية أو أخلاقية، مما وضع استقرار الدول المشاطئة للبحر الأحمر في مواجهة خطر وجودي حقيقي يُهدد مصالح العالم الاقتصادية.

إن التحالفات التي أقامها الحوثيون مع جماعات متشددة، وفي مقدمتها حركة “الشباب” الصومالية، ليست مجرد تقاطع مصالح عابرة، بل هي منظومة تبادل منافع تجعل من الحوثي موردًا رئيسًا للسلاح والتقنيات العسكرية في مقابل تسهيلات لوجستية وتنسيق ميداني يخدم أهدافهم في زعزعة الأمن الإقليمي، فهذه العلاقة الموثقة بتقارير مجلس الأمن تؤكد أن الحوثي تحول من كيان يسعى للسيطرة على السلطة في اليمن، إلى “تاجر سلاح دولي” يتنقل في البحار ويقتات على فوضى القرصنة والتهريب، مما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مدى تأثير هذه الأنشطة على مستقبل الأمن والسلم الدوليين في واحدة من أهم المناطق الحيوية في العالم.

شريان الفوضى: كيف تستغل المليشيا هشاشة الحدود البحرية؟

تستغل ميليشيات الحوثي الفراغات الأمنية الكبيرة التي تعاني منها سواحل الصومال واليمن، بالإضافة إلى الانشغال الدولي بالأزمات المتلاحقة، لترسيخ نفوذها وتوسيع رقعة عملياتها البحرية، إذ تشير التحليلات العسكرية إلى أن المليشيا تتبع استراتيجية دقيقة تعتمد على إغراق المنطقة بالفوضى لتعمية أجهزة الرصد الدولية، ومن ثم القيام بعمليات نقل للسلاح والتقنيات المتطورة للقراصنة في الصومال، الذين تحولوا بدورهم إلى أذرع ميدانية لتنفيذ أجندات الحوثي، مما يجعل من الملاحة الدولية في باب المندب وخليج عدن هدفاً دائماً للابتزاز الحوثي الذي لا يعرف حدوداً.

هذا النشاط الحوثي المحموم لا يهدف فقط إلى استعراض القوة، بل هو جزء من عقيدة اقتصادية تقوم على “اقتصاد الحرب”، حيث تعتمد الجماعة في تمويلها المستمر على عائدات التهريب والضرائب غير المشروعة المفروضة على السفن، بل وتطمح إلى تحويل سواحل القرن الأفريقي إلى منصات انطلاق لتهديد أمن دول المنطقة، مما يعزز من قدرتها على المناورة السياسية واستخدام هذه الأوراق كأدوات ضغط في أي مفاوضات مستقبلية، متجاهلةً تماماً المعاناة الإنسانية التي يتكبدها المواطن في اليمن والصومال نتيجة لهذا التنسيق الإرهابي الذي لا يرى في المنطقة سوى “ميدان ربح” مالي وسياسي.

التداعيات الاقتصادية: ثمن باهظ يدفعه الاستقرار الدولي

تؤدي ممارسات الحوثي إلى رفع تكاليف التأمين البحري وأجور الشحن الدولية بشكل غير مسبوق، مما ينعكس سلباً على أسعار السلع والخدمات في الأسواق العالمية والمحلية، حيث باتت الممرات المائية التي كانت تمثل يومًا شريان حياة للاقتصاد العالمي، منطقة محفوفة بالمخاطر تفرض على شركات الملاحة الكبرى تغيير مساراتها أو دفع فديات باهظة للحفاظ على أمن سفنها، وهو ما يخدم في النهاية الأجندة الحوثية التي تسعى لإنهاك الاقتصاد الوطني والإقليمي لضمان بقائها كلاعب أساسي لا يمكن تجاوزه في المعادلة البحرية.

إن تأثير هذا التخريب يتجاوز الجانب الأمني ليطال الجانب التنموي والاجتماعي، حيث أدت حالة عدم الاستقرار إلى هروب الاستثمارات الأجنبية وتوقف العديد من المشاريع الحيوية التي كانت تعتمد على استقرار البحر الأحمر، مما زاد من وتيرة الفقر والبطالة في المجتمعات المحلية بالقرن الأفريقي، وهو ما يصب في مصلحة المليشيات التي تحاول تجنيد الشباب البائس وتحويلهم إلى قراصنة أو مقاتلين في صفوفها، مستغلة حاجتهم للمال لإغراءهم بالانخراط في هذه الأنشطة الإجرامية التي لا تخدم سوى أطماع قيادات المليشيا.

معركة الوعي: لماذا يتوجب على المجتمع الدولي التحرك الآن؟

أثبتت التجربة أن التحالفات الدولية الكبرى، رغم أهميتها، ليست حلًا جذريًا لمشكلة القرصنة والتهريب، بل إن الحل يكمن في دعم القوات المحلية وخفر السواحل اليمنية والصومالية وتمكينها من أداء مهامها في حماية سواحلها وتتبع الجريمة المنظمة، حيث أن القوات المحلية هي الأدرى بتفاصيل الجغرافيا المعقدة والأكثر قدرة على رصد حركة القراصنة ومنع الدعم الحوثي عنهم، وهذا يتطلب تغييراً في الاستراتيجية الدولية التي يجب أن تركز على “البناء المحلي” بدلاً من الاكتفاء بالوجود العسكري في عرض البحار الذي لا يمنع بالضرورة تسلل الأسلحة والتقنيات الصغيرة.

إن استمرار الحوثيين في تدمير استقرار القرن الأفريقي لا يمثل تهديدًا محليًا فحسب، بل هو تهديد للنسيج العالمي للأمن الغذائي والتجارة البحرية، وما لم يتم حسم هذا الدور المريب بضرب شبكات التمويل والتسليح التي يديرها الحوثي، فإن المنطقة ستظل عالقة في دوامة من العنف والابتزاز التي تغذيها أجندات مالية ضيقة لا تفكر في مستقبل الشعوب أو حقها في العيش بسلام، والرهان اليوم على وعي المجتمع الدولي بضرورة اقتلاع هذه الجذور الحوثية التي امتدت لتسمم البحار والممرات الدولية.