ذات صلة

جمع

صراع البقاء.. لماذا يعتبر النظام الإيراني وحزب الله استقرار العائلات تهديدًا وجوديًا؟

في محاولة مستميتة للحفاظ على تماسك منظومة القمع، لم يعد النظام الإيراني وأذرعه العسكرية، وفي مقدمتها حزب الله، يكتفون بملاحقة المتظاهرين والنشطاء في الشوارع أو داخل السجون، بل امتدت أياديهم لتمارس نوعًا من الإرهاب الممنهج عبر “سياسة الرهائن العائلية”.

حيث يتم تحويل أفراد عائلات المعارضين والنشطاء إلى ورقة ضغط قاسية، تهدف إلى دفعهم نحو الاستسلام أو التوقف عن المطالبة بحقوقهم الأساسية، وهي استراتيجية تعكس حالة الرعب التي تعيشها هذه الأنظمة من أي تحرك شعبي يهدد هيمنتها المطلقة، مما يحول البيوت من ملاذات آمنة إلى سجون كبيرة تدار بأوامر الأجهزة الأمنية.

إن هذه الممارسات لا تعبر فقط عن ضعف أخلاقي، بل تكشف عن عقيدة سياسية متأصلة تقوم على مبدأ “العقاب الجماعي”، ففي إيران، أصبح رنين جرس الباب كابوسًا يوميًا للعائلات التي ما يزال أبناؤها يطالبون بالحرية.

حيث يتم تهديد الآباء والأمهات باعتقال أشقاء النشطاء أو مصادرة أملاكهم ما لم يقم أبناؤهم بتسليم أنفسهم، وفي السياق ذاته، يطبق حزب الله نهجًا مشابهًا في المناطق الخاضعة لسيطرته، حيث تستخدم الأجهزة الأمنية الضغوط الاجتماعية والتهديد بقطع الأرزاق أو حتى التصفية الجسدية لضمان ولاء العائلات وإسكات أي صوت معارض، مما يجعل من الولاء لهذا النظام أو ذاك شرطًا لبقاء العائلة خارج دائرة الاستهداف.

استراتيجية الاستنزاف: تحويل الأسر إلى “دروع بشرية” أمنية

تعتمد استراتيجية “الرهائن العائلية” على دفع المتظاهر أو الناشط إلى حالة من التمزق النفسي، فالمعضلات التي يواجهها الشاب الإيراني الهارب من ملاحقات النظام تزداد تعقيدًا حينما يدرك أن كل خطوة يتخذها في طريق الحرية قد تكلف شقيقه الأصغر أو والده حريته أو حياته، إذ توثق تقارير حقوق الإنسان كيف يتم إجبار العائلات على توقيع تعهدات خطية بعدم مشاركة أبنائها في المظاهرات، مع خضوع هواتفهم للمراقبة اللصيقة، بل وتحويل منازلهم إلى مراكز استجواب مفتوحة، مما يجعل من العائلة “درعًا بشريًا” يستخدمه النظام لتحييد أصوات الاحتجاج والقضاء على أي بذرة لتنظيم شعبي.

هذه الضغوط النفسية الممنهجة لا تتوقف عند حدود التهديد بالاعتقال، بل تصل إلى مستوى “التجويع المنهجي” أو التضييق على سبل العيش، فكثير من أفراد العائلات الذين يرفضون الانصياع لأوامر الأجهزة الأمنية يجدون أنفسهم مطرودين من وظائفهم أو ممنوعين من الحصول على الخدمات الحكومية الأساسية، وهي تكتيكات يتقنها النظام الإيراني ويصدرها إلى أذرعه الإقليمية، بهدف دفع العائلات لتمارس دور “الشرطي” ضد أبنائها، وبذلك ينجح النظام في نقل الصراع من “دولة في مواجهة الشعب” إلى “صراع داخل الأسرة الواحدة”، وهو ما يمزق النسيج الاجتماعي ويغرس بذور الفتنة لضمان ديمومة السلطة.

معركة الوعي: هل تنجح سياسة الترهيب في كسر إرادة الشباب؟

رغم فداحة الضغوط، تشير الوقائع الميدانية إلى أن شباب الانتفاضة في إيران وأصوات المعارضة في المناطق التي يهيمن عليها حزب الله ما يزالون يبتكرون طرقًا جديدة للبقاء، حيث تحولت حالة “التخفي الدائم” من وسيلة للنجاة إلى أسلوب حياة، إذ يعيش الكثيرون بعيدًا عن منازلهم، مقطوعين عن حياتهم الجامعية والمهنية، مفضلين العيش في الجبال أو في منازل الأصدقاء بعيدًا عن الأنظار، وذلك لتجنيب عائلاتهم خطر الملاحقة، مما يعكس تحولاً جذرياً في وعي الجيل الجديد الذي أدرك أن النظام لن يتوانى عن استخدام أقذر الأوراق، بما فيها دماء الأقارب، للبقاء في كرسي الحكم.

إن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة “الاستنزاف النفسي”، حيث يراهن النظام على الوقت وعلى إنهاك قوة الإرادة لدى المعارضين، ولكن هذه السياسة بدأت ترتد على أصحابها، فالغضب المكبوت في قلوب العائلات التي فقدت أبناءها أو أصبحت رهينة في بيوتها يزداد اشتعالاً، مما يبشر بانفجار شعبي لا تحكمه حسابات أمنية، لأن الشعوب التي لا تجد ما تخسره سوى قيودها لا يمكن ترهيبها بتهديد العائلات، حيث أصبحت “سياسة الرهائن” شاهدًا تاريخيًا جديدًا على أنظمة لا تملك من مقومات البقاء إلا البطش، وأن سقوطها بات مسألة وقت ليس إلا، مع تزايد الوعي العام بأن هذه الأنظمة لا تمثل إلا مشروعاً للهدم والخراب.

حتمية الانكسار أمام إرادة الشعوب

يظل النظام الإيراني وأذرعه كحزب الله كيانات لا تستطيع العيش إلا في بيئة من الفوضى والترهيب، حيث تمثل سياسة “الرهائن العائلية” ذروة الانحطاط الأخلاقي والسياسي في ممارساتها، فهي ليست مجرد أدوات أمنية، بل هي دليل قاطع على أن هذه النظم قد أفلست تمامًا من تقديم أي نموذج للحكم يمكن أن يحظى باحترام الناس، مما دفعها للجوء إلى أكثر الأساليب دناءةً للسيطرة على المجتمع، ومن المتوقع أن تشهد المرحلة القادمة فشلاً ذريعًا لهذه السياسات مع توسع رقعة الوعي الشعبي بقدرة الشعوب على الصمود ورفض الانصياع لمنطق الرهائن.

إن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تراهن على كسر إرادة الشعوب عبر تهديد عائلاتهم هي أنظمة تتخبط في أنفاسها الأخيرة، فالحق الذي يطالب به الشباب في طهران أو غيرها من العواصم التي تعاني من نفوذ هذه الأذرع هو حق أصيل لا يمكن لأي جهاز أمني أو ممارسات قمعية أن تمحوه، وسيبقى أحرار هذه الشعوب رمزًا للمقاومة التي لا تنكسر أمام بطش الرهائن، مؤكدين يومًا بعد آخر أن الشعوب أكبر من كل أجهزة الاستخبارات، وأن المستقبل هو دائمًا لمن يملك الشجاعة ليقول “لا” في وجه الظلم، مهما كان الثمن باهظًا ومؤلمًا.