على سطح منزل متصدع في مدينة غزة، يقف المواطن في غزة تحت أشعة شمس الظهيرة الحارقة، يتفقد بعناية ألواحًا شمسية غطاها الغبار وآثار شظايا القصف، وحوله تبدو ملامح الحرب واضحة في جدران مثقوبة ونوافذ محطمة وأحياء فقدت كامل معالمها التاريخية، لكن تلك الألواح السوداء البسيطة بقيت معلقة فوق السطح كأنها آخر ما تبقى من فكرة الحياة.
حيث تحول الحصول على نظام طاقة شمسية في غزة إلى معركة وجودية بحد ذاتها، لا تتعلق فقط بالقدرة المالية، بل بالقدرة على العثور على معدات مفقودة في سوق تحكمه ندرة الموارد وجنون الأسعار الناتج عن حصار مطبق.
قبل اندلاع هذه الحرب الضارية، كان قطاع غزة يمتلك واحدة من أعلى كثافات أنظمة الطاقة الشمسية فوق الأسطح في العالم، حيث تشير بيانات سلطة الطاقة الفلسطينية إلى أن القطاع كان يضم نحو 13 ألف نظام شمسي موزعة على المنازل والمنشآت التجارية، وهي كثافة عالمية غير مسبوقة كانت تساهم في إنتاج نحو 70 ميغاواط، مما خفف بشكل كبير من أزمة الكهرباء المزمنة، ولكن الاستهداف المباشر وغير المباشر للمباني والمنشآت أدى إلى تدمير أو تضرر أكثر من 90% من هذه المنظومات، ليتحول القطاع من نموذج واعد في الطاقة المتجددة إلى أطلال طاقة ترمم بوسائل بدائية يائسة.
معركة الاستمرار: عندما تصبح “شحنة البطاريات” حلمًا بعيد المنال
لا يشتري المواطن في غزة اليوم ألواحًا شمسية فحسب، بل يشتري قدرة على الاحتمال في مواجهة انقطاع كامل لمصادر الطاقة التقليدية، فبعد توقف محطة التوليد الوحيدة وانقطاع خطوط الإمداد الخارجية، أصبحت الطاقة الشمسية المصدر الوحيد للبقاء، وهو واقع دفع الآلاف مثل السويركي إلى شراء أجزاء النظام قطعة قطعة على مدار أشهر طويلة، بدءًا من لوح مستعمل إلى بطارية مهترئة تم إصلاحها عشرات المرات، في رحلة بحث مضنية تشبه البحث عن دواء نادر في صحراء قاحلة.
وتتفاقم الأزمة بفعل القيود الصارمة التي تمنع إدخال المعدات الأساسية، حيث يتضاعف سعر اللوح الشمسي أو البطارية مرات عديدة بمجرد دخولها إلى السوق، مما يجبر المواطنين على بيع مقتنياتهم الثمينة لتوفير “الضوء” لأطفالهم الذين باتوا ينامون في خوف من الظلام الدامس، فهذا الضوء الصغير القادم من الشمس لا يضيء الغرف فحسب، بل يمنح العائلات فرصة لشحن هواتفهم للاتصال بالأقارب والاطمئنان على أحبائهم، وهي “رفاهية” تحولت في غزة إلى شريان حياة يوازي أهمية الغذاء والماء.
صمود إنساني: الابتكار كأداة لمواجهة الموت
هذا الإصرار على إصلاح ما يمكن إصلاحه ليس مجرد فعل تقني، بل هو رسالة صمود سياسي واجتماعي في وجه الحصار، حيث يرفض الغزيون الاستسلام للعتمة، ويحولون كل “لوح مكسور” إلى رمز لبقائهم، فكل مكالمة هاتفية تتم بفضل شحن طاقة الشمس، وكل وجبة طعام محفوظة في ثلاجة تعمل بطاقة الألواح، هي انتصار صغير يوثق تشبث الإنسان الفلسطيني بأرضه وحقه في الحياة، مهما اشتدت آلة التدمير التي تسعى لجعل الحياة في القطاع غير ممكنة.
الطاقة الشمسية كضرورة لا كرفاهية
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه مستقبل غزة يكمن في إغلاق الفجوة الكبيرة بين حجم الدمار وحجم الحلول المتوفرة، فإعادة بناء قطاع الطاقة يحتاج إلى مليارات الدولارات وتدخل دولي عاجل لكسر الحصار وإدخال المعدات المطلوبة للصيانة، وبدون ذلك ستظل غزة تقتات على بقايا ألواحها الشمسية، في محاولة مستميتة للحفاظ على نبض الحياة وسط بحر من العتمة.
حيث تثبت غزة يومًا بعد آخر أن شمسها التي تشرق كل صباح هي المصدر الوحيد الذي لا يملكه المحاصرون فحسب، بل هو المصدر الذي لا يمكن لأي حصار أن يمنع وصوله إليهم.

