عندما تسير في شوارع بيروت النابضة بالحياة ليلاً، قد تظن للوهلة الأولى أن العاصمة اللبنانية تتحدى واقعها المرير بإصرارها على البقاء، حيث تلمع أضواء المطاعم وتتدفق السيارات في الشرايين الرئيسية، لكن التدقيق في تفاصيل هذا المشهد يكشف عن حقيقة مغايرة تمامًا، فالأضواء البراقة لا تعكس سوى طاولات خالية من الرواد، وحركة السير لم تعد تعبر عن نشاط تجاري بل عن محاولات يائسة لأصحاب السيارات لكسب قوت يومهم بأقل كمية ممكنة من الوقود.
حيث يعيش اللبنانيون اليوم تفاصيل سيناريو اقتصادي أسود يتشكل ملامحه مع استمرار حرب الاستنزاف التي عمقت جراح الانهيار المالي الممتد منذ عام 2019، ليقف البلد اليوم على حافة ما يصفه الخبراء بـ “الموت السريري” بفعل ركود تضخمي غير مسبوق، يلتهم القدرة الشرائية ويقضي على ما تبقى من ركائز الدولة المعيشية والإنتاجية.
مؤشرات الانكماش وأرقام الصدمة الاقتصادية في لبنان
تتوالى التقارير الاقتصادية لتؤكد أن لبنان يتجه نحو انكماش حاد قد يتجاوز نسبة الـ 12%، وهو رقم يعكس شللاً شبه كامل في الحركة التجارية والخدماتية التي طالما تميزت بها البلاد تاريخيًا.
وتشير التقديرات الدولية والمحلية إلى أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن التصعيد العسكري المستمر قد تجاوزت عتبة الـ 20 مليار دولار، منها نحو 7 مليارات دولار كخسائر مباشرة في البنية التحتية والمنشآت، وأكثر من 5 مليارات دولار خسائر غير مباشرة لحقت بقطاعات حيوية كالسياحة والتجارة والتصدير.
هذا النزيف المالي الحاد يتزامن مع استنزاف خطير للاحتياطيات المتبقية من العملات الأجنبية، مما يقلص هوامش المناورة أمام صانعي السياسات الاقتصادية ويجعل من استمرارية المؤشرات الحيوية للدولة أمرًا شبه مستحيل في ظل غياب خطط الإنقاذ وغياب القروض المصرفية الداعمة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
أبرز الأدلة الميدانية على هذا التباطؤ الحاد تظهر في تراجع استهلاك المحروقات، حيث انخفض الطلب على مادة البنزين بنسب تتراوح بين 20% و35%، ليتراجع الاستهلاك اليومي من 400 ألف صفيحة إلى نحو 300 ألف صفيحة فقط، كما سجل استهلاك المازوت تراجعًا بنسبة 20%، وهي مؤشرات رقمية واضحة تعكس توقف الدورة الاقتصادية في الكثير من المصانع ووسائل النقل العام والخاص.
هذا التراجع لا يعبر عن تحسن في كفاءة الطاقة، بل هو نتاج مباشر لعدم قدرة المواطنين والشركات على تحمل التكاليف المرتفعة، مما دفع بسائقي الأجرة والمواطنين إلى إطفاء محركات سياراتهم لتوفير الوقود، والحد من تنقلاتهم إلا في حالات الضرورة القصوى، مما يزيد من عزلة المناطق اللبنانية عن بعضها البعض وتعميق الركود الاقتصادي.
أزمة الأمن الغذائي وتحولات الاستهلاك اليومي للعائلات
ينعكس هذا التدهور الاقتصادي بشكل مباشر وقاسٍ على المائدة اللبنانية وتفاصيل المعيشة اليومية داخل المنازل، حيث تحول التسوق في السوبرماركت من عملية طبيعية إلى معادلة حسابية معقدة ومرهقة، تستعين فيها العائلات بالآلات الحاسبة لمطابقة الأسعار مع الميزانيات المحدودة قبل الوصول إلى صندوق الدفع.
وبسبب فقدان الوظائف وتوقف الأعمال الناتجة عن الحرب، اضطرت آلاف الأسر إلى تبني استراتيجيات “التأقلم السلبي”، والتي تعني التخلي التدريجي عن السلع غير الأساسية، وتقليص الإنفاق على الغذاء والصحة والتعليم.
حيث باتت الكثير من الأسر تشتري المواد الغذائية والخضروات “بالحبة” وليس بالكيلو، وتم تأجيل شراء الأدوية المزمنة إلى أواخر الشهور أو الاستغناء عن بعضها، مما يهدد بوقوع كارثة صحية واجتماعية بعيدة المدى تتجاوز أبعاد الأزمة المالية الحالية.
وفقًا لتحليلات برنامج الأغذية العالمي، فإن هذا التصعيد المستمر والضغط المعيشي يهدد بوضع نحو 1.24 مليون شخص في لبنان، أي ما يعادل ربع السكان تقريبًا، في مواجهة مباشرة مع انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وتتزايد هذه المخاطر مع استمرار حركة النزوح الداخلي الكثيفة التي شهدتها البلاد، والتي أدت إلى تزايد الضغط المعيشي والسكنى على المدن والمناطق المستضيفة، حيث تجد العائلات نفسها مجبرة على إعالة أقاربها النازحين من دون وجود أي مصادر دخل إضافية، وفي ظل الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الأساسية الذي يفرضه بعض التجار لزيادة هوامش أرباحهم مستغلين غياب الرقابة الرسمية الفعالة من قبل جمعيات حماية المستهلك والجهات الحكومية المعنية.
شلل القطاع السياحي والخدماتي وخسائر التشغيل اليومية
يعتبر القطاع السياحي والخدماتي تاريخيًا بمثابة العمود الفقري للاقتصاد اللبناني ومصدر الأكسجين المالي بالعملة الصعبة، إلا أنه يمر اليوم بواحدة من أصعب وأعقد المراحل في تاريخه الحديث منذ أزمة عام 2019.
حيث تراجعت الحركة السياحية ونشاط المطاعم والمقاهي بنسب تتراوح بين 80% و85%، نتيجة إحجام المغتربين والسياح العرب والأجانب عن زيارة البلاد بسبب المخاوف الأمنية المتصاعدة وإلغاء غالبية رحلات الطيران الدولية.
هذا التراجع الحاد يكبد القطاع السياحي وحده خسائر يومية تقدر بحوالي 18 إلى 20 مليون دولار، في وقت تصل فيه خسائر الاقتصاد اللبناني الإجمالي إلى قرابة 80 مليون دولار يوميًا، مما يضع آلاف المنشآت السياحية أمام خيارات أحلاها مر، إما الإغلاق النهائي الكلي أو تقليص أيام عمل الموظفين وخفض رواتبهم للحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية.
وتتضاعف معاناة أصحاب العمل في هذا القطاع نتيجة الارتفاع المستمر في كلفة التشغيل اليومية، والتي تشمل تأمين الطاقة الكهربائية عبر المولدات الخاصة في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء الرسمية، وارتفاع أسعار المواد الأولية المستوردة نتيجة اضطراب سلاسل التوريد العالمية والمحلية.
ومع غياب القروض المصرفية التسهيلية والقدرة على الاقتراض، يصبح الصمود أمرًا مستحيلاً لغالبية المؤسسات، مما ينذر بموجة إغلاقات جماعية وفقدان عشرات الآلاف من الوظائف خلال الأشهر القادمة، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى رفع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية وغير مسبوقة، ويزيد من تعميق حالة الركود التضخمي التي تضرب الأسواق اللبنانية وتخنق حركتها التجارية اليومية.
الكارثة البيئية والزراعية بعيدة المدى على الاقتصاد
لا تقتصر أضرار الحرب الراهنة في لبنان على الأرقام المالية المباشرة والقطاعات التجارية والسياحية فحسب، بل تمتد لتضرب القطاع الزراعي والبيئي في الصميم، مما يهدد الأمن الغذائي والإنتاجي للبلاد على المدى الطويل.
حيث تشير التقارير الدولية إلى أن استخدام الفوسفور الأبيض والعمليات العسكرية المستمرة قد تسببت في تدمير مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة والمشجرة، ووجود مخلفات حربية خطيرة تمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وجني محاصيلهم.
هذا التدمير الممنهج للسلة الغذائية اللبنانية يتطلب وفقًا لتقديرات الهيئات البيئية الدولية تكاليف إعادة تأهيل ضخمة تتجاوز المليار دولار إضافي، لإعادة تربة الأرض وصلاحيتها للزراعة وتطهيرها من الملوثات السامة والمخلفات الحربية التي تضر بالصحة العامة والمياه الجوفية.
إن هذه الكارثة البيئية تعني بوضوح فقدان لبنان لنسبة هامة من قدراته الإنتاجية والتصديرية الزراعية، مما يضطره إلى الاعتماد بشكل أكبر على استيراد المنتجات الغذائية الفاكهية والخضار من الخارج، وهو ما سيتسبب في استنزاف إضافي للعملات الأجنبية الصعبة ورفع أسعار المواد الغذائية محليًا إلى مستويات غير مقدورة للمواطن العادي.
ويحذر الخبراء الاقتصاديون، من أن هذا الاستنزاف البيئي والزراعي الطويل الأمد يشكل حلقة جديدة من حلقات “الموت الاقتصادي البطيء” الذي يواجهه لبنان، كونه يقضي على القطاعات الحقيقية البديلة التي كان يمكن للاقتصاد اللبناني الاعتماد عليها للتعافي وتحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي في أوقات الأزمات المالية والسياسية المتلاحقة.

