ذات صلة

جمع

حلم الدولة الوطنية.. كيف يعيق الحرس الثوري الإيراني استقرار العراق؟

في اللحظة التي يتطلع فيها الشعب العراقي إلى بناء...

السيناريوهات الصفرية في لبنان.. لماذا فشلت كل محاولات وقف إطلاق النار؟

يعيش لبنان اليوم واقعًا أمنيًا وعسكريًا هو الأكثر تعقيدًا...

كيف تحولت الوظيفة العامة في اليمن إلى وسيلة للتمكين التنظيمي للإخوان؟

لم يعد خطر تقويض الدولة اليمنية مقتصرًا على الانقلاب...

تهدئة حذرة في بيروت وتصعيد متواصل جنوبًا.. لبنان بين المساعي السياسية وضغوط الميدان

تشهد الساحة اللبنانية مشهدًا متباينًا يجمع بين هدوء نسبي...

إعادة إنتاج الاستبداد.. لماذا يصر البرهان على التحالف مع بقايا النظام البائد؟

لم يعد خافيًا على الرأي العام السوداني والإقليمي أن المشهد السياسي في بورتسودان يشهد محاولات حثيثة لإعادة استنساخ تجربة نظام “الإنقاذ” البائد، عبر تحالف استراتيجي غير معلن بين السلطة العسكرية التي يقودها الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقيادات تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، حيث أعادت هذه السلطة الحياة لأذرع التنظيم التي كانت قد لفظت أنفاسها الأخيرة بفعل ثورة ديسمبر المجيدة وقرارات لجنة إزالة التمكين، ليعود المشهد إلى مربع التمكين الأول، محولاً الدولة ومؤسساتها إلى أداة لخدمة أجندة حزبية ضيقة تسعى لقطع الطريق أمام أي انتقال ديمقراطي حقيقي.

إن التساؤل الذي يفرض نفسه اليوم بمرارة هو: “لماذا يصر البرهان على هذا المسار التصادمي مع تطلعات الشعب السوداني؟”، الإجابة تكمن في طبيعة التحالف القائم على “مصلحة البقاء”، حيث وجدت القيادة العسكرية في تنظيم الإخوان ملاذها الأخير للحفاظ على نفوذها، بينما رأى التنظيم في الجيش وسيلة لاستعادة إمبراطوريته المالية والسياسية التي تآكلت بعد سقوط عمر البشير؛ مما أنتج حالة من “التعايش القسري” بين المؤسسة العسكرية ورموز الفساد، الذين عادوا للتحكم في مفاصل القرار واحتكار الثروات الوطنية تحت مظلة الشرعية العسكرية.

منظمة الدعوة الإسلامية: شريان حياة لتمكين الإخوان

تعد “منظمة الدعوة الإسلامية” النموذج الأبرز لهذا التحالف المشبوه، فهي ليست مجرد جمعية خيرية كما تدعي، بل هي الأخطبوط المالي الذي مكن الإخوان من السيطرة على قطاعات استراتيجية في السودان وخارجه، وبعد أن كانت هذه المنظمة تحت طائلة المصادرة القانونية بسبب تورطها في ملفات فساد ضخمة، جاءت قرارات السلطة العسكرية الحالية لتعيد إليها أصولها وممتلكاتها، وتمنحها غطاءً قانونيًا جديدًا لممارسة نشاطها السياسي والمالي بعيدًا عن الرقابة، مما يؤكد أن الهدف الحقيقي ليس العمل الخيري، بل إعادة بناء “خزينة التنظيم” التي تضخ الأموال لميليشياته وحلفائه في السلطة.

تستغل هذه المنظمة نفوذها التاريخي في دول أفريقية لتعزيز أجندة التنظيم، محولةً المقار الحكومية والأصول التي استردتها بقوة القرار العسكري إلى مراكز تخطيط وتجنيد، بعيدًا عن أعين القضاء أو الرقابة الشعبية، حيث تتقاسم قيادات الإخوان، مثل علي كرتي وغيره من الوجوه التي عادت للظهور في أروقة بورتسودان، الأدوار مع السلطة العسكرية لضمان استمرار تدفق التمويل، مما جعل من المنظمة دولة داخل الدولة، تعيق أي محاولة لفرض الشفافية أو محاسبة المفسدين الذين نهبوا مقدرات البلاد لعقود طويلة.

عسكرة الدولة وأخونة المؤسسات: استراتيجية البقاء

لم يكتفِ البرهان بإعادة الأصول المادية للتنظيم، بل فتح أبواب التعيينات في المناصب السيادية والعسكرية أمام كوادر الإخوان، في عملية “أخونة” منظمة تهدف إلى إفراغ الدولة من كفاءاتها الوطنية واستبدالها بعناصر تدين بالولاء المطلق للتنظيم ولقيادة السلطة العسكرية، هذا التغلغل في الجهاز الإداري والأمني يمنح الإخوان حصانة كاملة من الملاحقة القانونية، ويحول الأجهزة الأمنية من حامٍ للوطن إلى أداة لقمع الأصوات المعارضة، مما يكرس حالة من الانقسام الحاد في المجتمع السوداني، ويجعل من استعادة الدولة المدنية هدفاً بعيد المنال في ظل هذه التحالفات.

إن هذا التزاوج بين العسكر والإخوان أدى إلى شل حركة المؤسسات القانونية، فالمحاكم التي تُنظر فيها الآن صراعات قادة التنظيم حول “شرعية” قيادة المنظمات، تكشف بوضوح مدى الترهل الذي أصاب الجهاز العدلي الذي بات يُستخدم كمنصة لتقنين الفساد وتصفية الخصوم، فبدلاً من أن تعمل الدولة على استرداد أموال الشعب، نجدها مشغولة بتمكين من سرقوها، في مشهد سريالي يعكس استهتار السلطة العسكرية بمطالب الشعب، وإصرارها على المضي قدمًا في سياسة الإقصاء والتمكين التي لن تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى المزيد من العزلة والانهيار.

تداعيات التحالف: نحو المجهول في السودان

إن المضي في هذا النهج يضع السودان أمام خيارات كابوسية، فاستمرار الارتهان لإرادة تنظيم الإخوان لا يعني سوى تأبيد الأزمة الوطنية وإغلاق كافة أبواب الحل السلمي، فالتاريخ القريب أثبت أن هذا التنظيم لا يؤمن بالمشاركة ولا بالديمقراطية، بل يسعى دائمًا لاحتكار السلطة وتوجيه موارد الدولة لخدمة مشروعه العقائدي الخاص، والبرهان بتبنيه هذا النهج، إنما يربط مصيره السياسي بمصير تنظيمٍ مرفوض شعبيًا، مما يحول السلطة العسكرية إلى طرف في صراع مع الشعب، بدلاً من أن تكون حكمًا يسعى لاستقرار البلاد وتجنيبها ويلات التفكك والحروب الأهلية.

إن حالة النزاع العلني بين فصائل الإخوان على “كعكة” النفوذ في المنظمات لا تعدو كونها صراعًا بين لصوص على مسروقات، وما يشهده السودان اليوم من إعادة إحياء لأذرع التنظيم هو خيانة واضحة لأهداف ثورة ديسمبر، ومحاولة يائسة لترميم نظام سقط منذ سنوات، ولن تنجح السلطة العسكرية في بناء شرعية حقيقية طالما ظلت رهينة لهذا التحالف المشبوه، فالشرعية في السودان لا تُستمد من التوافق مع تنظيمات التطرف والفساد، بل تُستمد من رضا الشعب واحترام إرادته في بناء دولة القانون والمؤسسات التي تتسع للجميع، وهو ما يفتقده التحالف الحالي بشكل كامل.

إن الشعب السوداني الذي قدم التضحيات الجسام من أجل الحرية والسلام والعدالة، لن يقبل بعودة “عصر التمكين”، وسوف تظل المطالبة بتفكيك هذه الشبكات الإخوانية واستعادة أموال الشعب المسلوبة هي القضية المركزية، فكل محاولات البرهان لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء ستصطدم حتمًا بوعي الجماهير التي عرفت طريقها نحو الحق، وأدركت أن الخلاص الحقيقي يكمن في إنهاء هذا التحالف الانتهازي، ووضع السودان على طريق العودة للحكم المدني الذي يقطع الطريق أمام عودة المتطرفين والمنتفعين.