ذات صلة

جمع

حلم الدولة الوطنية.. كيف يعيق الحرس الثوري الإيراني استقرار العراق؟

في اللحظة التي يتطلع فيها الشعب العراقي إلى بناء...

السيناريوهات الصفرية في لبنان.. لماذا فشلت كل محاولات وقف إطلاق النار؟

يعيش لبنان اليوم واقعًا أمنيًا وعسكريًا هو الأكثر تعقيدًا...

كيف تحولت الوظيفة العامة في اليمن إلى وسيلة للتمكين التنظيمي للإخوان؟

لم يعد خطر تقويض الدولة اليمنية مقتصرًا على الانقلاب...

تهدئة حذرة في بيروت وتصعيد متواصل جنوبًا.. لبنان بين المساعي السياسية وضغوط الميدان

تشهد الساحة اللبنانية مشهدًا متباينًا يجمع بين هدوء نسبي...

السيناريوهات الصفرية في لبنان.. لماذا فشلت كل محاولات وقف إطلاق النار؟

يعيش لبنان اليوم واقعًا أمنيًا وعسكريًا هو الأكثر تعقيدًا في تاريخه الحديث، حيث تتوالى الانهيارات المتسارعة في جبهة الجنوب، وتتبخر الآمال المعقودة على الدبلوماسية الدولية مع إصرار حزب الله على فرض خياراته العسكرية التي لا تقبل إلا بمبدأ “الصفرية”، وهي المعادلة التي لا تترك مساحة للحلول الوسط أو التهدئة، مما دفع البلاد نحو حافة الهاوية تحت وطأة صراع مفتوح لا يلوح في أفقه أي بارقة أمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مؤسسات الدولة المنهكة.

إن المتابع للمشهد اللبناني يدرك أن فشل اتفاقيات وقف إطلاق النار المتتالية ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لاستراتيجية حزب الله التي تقوم على ربط مصير الشعب اللبناني بملفات إقليمية بعيدة عن المصلحة الوطنية، حيث تحول قرار الحرب والسلم من اختصاص الدولة اللبنانية إلى قرار تنظيمي بيد الحزب؛ مما أدى إلى تعطيل كل جهود الوسطاء الدوليين الذين اصطدموا برفض الحزب لأي التزامات تضمن استقرار الأراضي اللبنانية وتمنع تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

جرائم الحزب وتقويض السيادة الوطنية

لم تقتصر تداعيات سياسات حزب الله على المواجهات العسكرية المباشرة، بل امتدت لتشمل اختطاف القرار السيادي للدولة اللبنانية، حيث تسببت عمليات الحزب، من إطلاق مسيرات واستهدافات حدودية غير محسوبة العواقب، في تفكيك بنية الدولة وجعلها في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، واليوم نجد أن كل قرية أو منطقة يسيطر عليها الحزب أصبحت في مهب رياح الدمار، نتيجة إصرار الحزب على استخدام المناطق السكنية كقواعد خلفية لعملياته العسكرية التي تنتهك بوضوح كل القوانين الدولية.

لقد دفعت هذه السياسات اللبنانيين ضريبة باهظة من دمائهم وأرزاقهم، حيث أدت الغارات المكثفة منذ مارس الماضي إلى خسائر بشرية ومادية فادحة، وسط استمرار الحزب في تجاهل النداءات الوطنية والداخلية بضرورة تحييد لبنان عن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، مما عزز الشعور العام بأن لبنان بات رهينة لمشروع سياسي يتجاوز الحدود الوطنية، يضحي بمستقبل الأجيال في سبيل أيديولوجية أثبتت التجربة أنها لا تجلب سوى الدمار والنزوح الجماعي.

سياسة الأرض المحروقة: حين تتحول المناطق إلى ساحات صراع

تتجلى “السيناريوهات الصفرية” بوضوح في توسع العمليات العسكرية وصولاً إلى مناطق مثل جنوب نهر الزهراني، حيث يجد المدنيون أنفسهم أمام خيارات مريرة بفعل أوامر الإخلاء الناتجة عن استمرار الحزب في التصعيد، وبدلاً من أن تكون هذه المناطق مراكز للحياة والتنمية، حولها الحزب إلى ساحات للعمليات العسكرية، مستخدمًا المدنيين كدروع بشرية في صراعه المفتوح، مما أدى إلى مقتل آلاف المدنيين وتشريد مئات الآلاف الآخرين في نزوح داخلي مستمر لا أفق لنهايته.

إن ممارسات حزب الله في تعامله مع الجغرافيا اللبنانية لا تراعي حرمة القرى ولا أمن المواطنين، حيث يرفع الحزب شعارات “المواجهة البطولية” بينما يدفع لبنان الثمن من بقائه كدولة ذات سيادة، حيث أصبحت المواقع الأثرية والاستراتيجية، مثل قلعة الشقيف، هدفًا عسكريًا ورمزًا لانهيار الهيبة الوطنية، وكل ذلك نتيجة لرفض الحزب تطبيق القرارات الدولية التي كانت ستحمي لبنان من الانزلاق نحو هذا الجحيم المفتوح، مفضلاً المضي قدمًا في سياسة “الأرض المحروقة” التي لا تخدم سوى أهدافه التنظيمية.

آفاق المأزق: هل تنجح الدبلوماسية أم تستمر العزلة؟

تأتي التحركات الفرنسية الأخيرة وطلب عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن كصرخة أخيرة لإنقاذ الموقف، إلا أن كل هذه الجهود تقابل بتعنت من جانب حزب الله الذي يرى في استمرار الحرب فرصة لتعزيز نفوذه الداخلي وتصفية خصومه، متجاهلاً أن العزلة التي يعيشها لبنان دوليًا أصبحت تشكل تهديدًا وجوديًا لكيان الدولة بحد ذاته، فالمجتمع الدولي اليوم لم يعد يرى في الحزب طرفًا يمكن التفاوض معه، بل قوة متمردة تتجاوز الشرعية الوطنية وتتحدى الإجماع العالمي حول استقرار لبنان.

إن الاستمرار في هذا النهج لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة اللبنانية، فكل يوم يمر في ظل استمرار القتال يعني مزيدًا من تآكل البنية التحتية، ومزيدًا من فقدان الأمل لدى الشباب اللبناني الذي بات يرى في الهجرة خلاصًا وحيدًا من واقع تفرضه ميليشيا مسلحة لا تؤمن بمبدأ الدولة، ولذا فإن السيناريو الصفر القادم يتطلب موقفًا وطنيًا موحدًا يضع حدًا لهذا العبث، ويعيد القرار اللبناني إلى أصحابه الشرعيين قبل أن يبتلع هذا الصراع ما تبقى من مؤسسات وهياكل الدولة التي تحاول الصمود.

يظل مصير لبنان معلقًا بين مطرقة تصعيد حزب الله وسندان الفشل الدبلوماسي، فبدون تراجع الحزب عن خياراته العسكرية وتفكيك أوهامه حول “المقاومة” التي لم تجلب إلا الخراب، ستظل السيناريوهات المظلمة هي الخيار الوحيد المطروح على الطاولة، مما يستوجب على كل القوى الحية في لبنان أن تعي حجم الخطر الداهم، وتتحرك لانتشال البلاد من براثن هذا التنظيم الذي قرر استبدال الوطن بمشروع لا يرى في لبنان إلا ساحة للدمار والنزاع الدائم.