لم يعد خطر تقويض الدولة اليمنية مقتصرًا على الانقلاب الحوثي في صنعاء، بل امتد ليشمل واقعًا موازيًا في المناطق “المحررة”، حيث أعاد إخوان اليمن، عبر شبكات نفوذ حزبي وعسكري معقدة، إنتاج نموذج الدولة المختطفة من الداخل، محولين المؤسسات التي كان من المفترض أن تكون حامية للوطن إلى مجرد أدوات لخدمة أجندة تنظيمية ضيقة، مما وضع مستقبل البلاد في مهب ريح الفوضى الممنهجة التي تخدم أهداف الحزب على حساب استقرار ومستقبل اليمن.
إن المتأمل في المشهد الحالي يدرك أن استراتيجية التنظيم لا تعتمد فقط على الوجود الميداني، بل على اختراق مفاصل الدولة، حيث يتم استبدال الكفاءات الوطنية بعناصر حزبية تفتقر للخبرة والمؤهلات المهنية، مما أدى إلى تفريغ المؤسسات الأمنية والعسكرية والمدنية من محتواها، وتحويل الوظيفة العامة من أداة لخدمة المجتمع إلى وسيلة للتمكين والسيطرة، وهو ما أسفر عن انهيار شبه تام في هيبة القانون وضياع الحقوق العامة لصالح الولاءات الحزبية.
عسكرة المجتمع وتدمير المهنية الأمنية
تمثل “أخونة” المؤسسات الأمنية أخطر فصول هذا المخطط، حيث تم تفكيك الأجهزة الرسمية وإحلال أجهزة موازية تتبع التنظيم بشكل مباشر، مما جعل من الجريمة أداة سياسية لتصفية المعارضين، ويشهد التاريخ القريب في مدينة تعز على تحول أجزاء واسعة من المناطق المحررة إلى ساحة تصفية حسابات يقودها مسلحون يأتمرون بأمر قيادات حزبية، حيث وثقت التقارير الحقوقية أكثر من 380 عملية ومحاولة اغتيال طالت ضباطًا وشخصيات مدنية رفضت الانصياع لمنطق التنظيم.
يؤكد مراقبون، أن حادثة اغتيال قائد اللواء 35 مدرع، العميد الركن عدنان الحمادي، لم تكن مجرد حادث عرضي، بل كانت رسالة دموية موجهة لكل من يحاول بناء جيش وطني خارج عباءة الاستقطاب الحزبي، حيث كشفت هذه الجريمة عن رغبة التنظيم في احتكار القوة، ومنع أي محاولة لاستعادة الدولة الحقيقية، وهو ما يفسر استمرار الصراعات المسلحة بين فصائل الإخوان التي تسببت في مقتل وإصابة المئات من المدنيين نتيجة صراعاتهم العبثية على الجبايات وإيرادات الأسواق.
الفساد الهيكلي وحكم الظل في المحافظات
لم تكتفِ جماعة الإخوان بالسيطرة العسكرية، بل تغلغلت في مفاصل الإدارة المدنية عبر الفساد الهيكلي والمحاصصة، حيث ما تزال أكثر من 60% من المقار الحكومية في تعز تحت قبضة مجاميع مسلحة ترفض تسليمها، وهو ما يكرس “حكم الظل” الذي يمارسه رجال التنظيم الذين يتحكمون بالقرار الأخير عسكريًا وأمنيًا، بينما يظل المسؤولون الرسميون مجرد واجهات لا تملك من الأمر شيئًا؛ مما أدى إلى استفحال الفساد وعجز الخدمات الأساسية عن تلبية احتياجات المواطنين.
تتضح الصورة أكثر في وادي حضرموت ومأرب، حيث يسابق التنظيم الزمن لأخونة ما تبقى من مؤسسات، من خلال سياسة إحلال العناصر الحزبية في المناصب الحساسة وتهميش الكوادر الوطنية؛ مما أدى إلى خلق حالة من الاحتقان الشعبي نتيجة غياب العدالة وتسييس القضاء والوظيفة، فالمواطن في هذه المناطق بات يواجه فسادًا مؤسسيًا مُنظمًا يمنحه الامتيازات فقط لمن يملك بطاقة الحزب، بينما يُحرم البقية من حقوقهم الأساسية بسبب مواقفهم السياسية.
استراتيجية تفكيك الدولة وتفتيت السيادة
إن سياسة الإخوان في اليمن قائمة على تفتيت احتكار قوة الدولة، فبينما يحاول المجتمع الدولي والتحالف العربي دعم استعادة مؤسسات الدولة، يواصل التنظيم إنشاء كانتونات مسلحة ترفض الانصياع للقانون، مستغلين لافتة “الشرعية” لتمرير مشاريعهم، حيث أصبح القاتل يجد الحماية خلف الحصانة الحزبية، والمفسد يجد الدعم من قيادات التنظيم، مما جعل القانون مجرد حبر على ورق، وعطل عمل الأجهزة الرقابية والقضائية التي باتت محاصرة بقرارات حزبية، و إن ممارسات التنظيم في المناطق المحررة أثبتت أن أجندته الحزبية تتقدم دائمًا على مصلحة اليمن.
فالتنظيم لا يسعى لبناء دولة، بل يسعى لامتلاك “دولة موازية” تدين له بالولاء، وهو ما يستوجب وقفة جادة من كافة القوى الوطنية اليمنية والقوى الإقليمية لإنهاء هذا العبث، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية التي تم اختطافها، ووضع حد لمسلسل الفوضى الذي أضر بالمواطن اليمني وأطال أمد الأزمة، وجعل من استعادة الدولة هدفًا بعيد المنال في ظل استمرار هيمنة هذا الفكر الذي لا يؤمن بوطن يتسع للجميع.

