ذات صلة

جمع

العراق بين الاقتراض والعجز.. هل دخل الاقتصاد مرحلة الخطر؟

يقف العراق اليوم أمام مفارقة قاسية وموجعة، فبينما يمتلك...

من يحيى السنوار إلى خليل الحية.. هل يتغير المشهد أم تتكرر الأخطاء؟

تحت سماء غزة التي أنهكتها آلة الحرب، وتحت وطأة...

من الانقلاب إلى تهديد السفن.. كيف يصنع الحوثيون أزمات اليمن؟

تعصف باليمن أزمة وجودية غير مسبوقة جراء السيطرة المسلحة...

إخوان تونس والرهان على الأزمات.. صناعة الفوضى بدلًا من السياسة

تحت سماء تونس الخضراء، دفعت الدولة والمواطن معًا فاتورة...

من يحيى السنوار إلى خليل الحية.. هل يتغير المشهد أم تتكرر الأخطاء؟

تحت سماء غزة التي أنهكتها آلة الحرب، وتحت وطأة أنقاض لم تعد تحتمل مزيدًا من الدمار، يقف الشعب الفلسطيني أمام مرآة مأساة غير مسبوقة في تاريخ الصراع.

لقد خلّفت أحداث السابع من أكتوبر وما أعقبها واقعًا إنسانيًا كارثيًا، متزامنًا مع تغييرات قيادية جذرية داخل حركة حماس بعد مقتل زعيمها يحيى السنوار وبروز وجوه جديدة في الواجهة كالقيادي خليل الحية.

وفي ظل هذه التحولات السريعة، يبرز تساؤل مؤلم ومشروع فهل تستطيع القيادة الجديدة انتشال ما تبقى من ركام غزة ومراجعة مسار أثقل كاهل المدنيين، أم أن عجلة الانهيار ستستمر في الدوران على حساب دماء شعب أنهكه الحصار والقرار المنفرد؟

مأساة السابع من أكتوبر وتبعاتها المدمرة على المدنيين

لم تكن أحداث السابع من أكتوبر 2023 مجرد محطة عسكرية عابرة، بل كانت الزلزال المدمر الذي أعاد تشكيل المشهد الإنساني والسياسي في قطاع غزة بشكل جذري.

وتشير تقارير صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن القرار الأحادي الذي اتخذته قيادة حركة حماس السابقة برئاسة يحيى السنوار جلب على المدنيين العزل كارثة غير مسبوقة، تمثلت في تدمير البنية التحتية بالكامل ونزوح أكثر من 90% من سكان القطاع.

وتؤكد البيانات الأممية الموثقة، أن الهجوم وما أعقبه من عمليات عسكرية عنيفة خلف عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، معظمهم من الأطفال والنساء، في ظل تجاهل تام من قيادة الحركة للتبعات الإنسانية الكارثية على المدنيين الذين تحولوا إلى ضحايا لعقيدة عسكرية لا تكترث بأمنهم وسلامتهم.

أرقام فلكية وتقارير أممية توثق قمع الحريات بغزة

وتُظهر لغة الأرقام والتقارير الدورية الصادرة عن منظمات دولية وهيئات أممية وجوهًا أخرى للمأساة تتمثل في القمع الداخلي ومصادرة الحريات الذي مارسته سلطة حماس ضد سكان غزة.

ففي تقرير مفصل أصدرته منظمة العفو الدولية (أمنستي) وهيومن رايتس ووتش في منتصف عام 2024، واستمرت تحديثاته خلال عامي 2025 و2026، تم توثيق مئات حالات الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والتنكيل بالمعارضين السياسيين والنشطاء الحقوقيين والصحفيين داخل سجون حماس في غزة.

وفي السياق ذاته، وثق تقريق دوري صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في أواخر عام 2025، قيام عناصر أمنية تابعة لحماس بالاستولي على شحنات المساعدات الإنسانية المخیّمة وتوزيعها على مقربين منها، أو بيعها في الأسواق السوداء بأسعار خيالية، مما أدى إلى تفاقم المجاعة وانعدام الأمن الغذائي الحاد بين المدنيين العزل في مختلف مناطق القطاع، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

استخدام المدنيين دروعًا بشرية: وقائع حقوقية دامغة

وتكشف الشهادات الحية والتقارير الصادرة عن لجان تقصي الحقائق الدولية على تورط الجناح العسكري لحركة حماس في استخدام المنشآت المدنية، كالمدارس والمستشفيات ودور العبادة، كغطاء لأنشطتها العسكرية وعمليات إطلاق الصواريخ.

وتشير المعطيات الموثقة بتواريخ محددة خلال أعوام النزاع إلى أن قيادة الحركة تعمدت إقامة مراكز القيادة ومخازن الأسلحة وسط التجمعات السكنية المكتظة والمخيمات المخصصة للنازحين، مما جعلهم عرضة مباشرة للقصف والاعتداءات.

وفي واقعة موثقة في تقرير حقوقي لشهر ديسمبر 2025، قامت عناصر مسلحة تابعة لحماس بطرد عائلات نازحة من مدارس وكالة الأونروا في مدينة غزة لتحويلها إلى ثكنات ومواقع دفاعية، غير آبهة بنداءات المنظمات الدولية التي تؤكد أن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب الموصوفة، وتعرض حياة آلاف المدنيين الأبرياء لخطر الموت المحقق بشكل متعمد.

تولي خليل الحية القيادة: هل يتغير المشهد أم تتكرر الأخطاء؟

ومع تولي خليل الحية وقيادات أخرى إدارة شؤون حركة حماس بعد مقتل يحيى السنوار، يطرح المراقبون والمحللون السياسيون تساؤلات ملحة حول مستقبل القطاع وإمكانية حدوث انعطافة حقيقية في سياسات الحركة.

تشير المؤشرات الأولية والتحليلات الصادرة عن مراكز الأبحاث الإقليمية والدولية في مطلع عام 2026 إلى أن القيادة الجديدة تواجه ضغوطًا هائلة لإجراء مراجعات جذرية للخطوات العسكرية السابقة التي جرت على حساب دماء الشعب الفلسطيني ومستقبله.

ومع ذلك، يرى خبراء حقوقيون وسياسيون، أن استمرار الخطاب التعبوي والتمسك بالسياسات الانفرادية دون الالتفات لمطالب الشارع الفلسطيني الملحة في الإنقاذ والإعمار قد يعيد إنتاج نفس الأخطاء الكارثية؛ مما يبقي غزة رهينة لدورات متواصلة من العدم والدمار ويحول دون أي فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس وبناء مستقبل آمن ومستقر للأجيال القادمة.

إن استمرار التغطية على الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين في غزة، سواء من خلال القمع الداخلي أو سوء إدارة الأزمات الإنسانية، يفرض على المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية ضرورة توثيق هذه الوقائع بكل شفافية وتقديم المسؤولين عنها للمساءلة القانونية وإن دماء أطفال غزة ومعاناة الملايين من النازحين والمنكوبين تستدعي صوتًا عاقلاً يضع مصلحة الشعب الفلسطيني فوق أي اعتبارات حزبية أو أيديولوجية ضيقة، لضمان عدم تكرار المآسي وفتح آفاق جديدة للسلام والعدالة والاستقرار الإنساني.