ذات صلة

جمع

في ظل الانسداد السياسي.. هل تكسر انتخابات المجالس الشبابية جمود الانقسام الحكومي في ليبيا؟

بينما يرزح المشهد الليبي تحت وطأة انسداد سياسي مزمن وتتقاسمه سلطات تنفيذية متنافسة في الشرق والغرب، يفاجئ جيل الشباب الأمة الإسلامية والعالم بانتفاضة وعي مدنية واعية عبر صناديق الاقتراع بداخل انتخابات المجالس المحلية للشباب لعام 2026، في خطوة غير متوقعة تمثل طوق النجاة الأخير لبلد أنهكته الصراعات المسلحة وأزمات الفساد المتراكمة على مدار أكثر من عقد من الزمان، مما يطرح التساؤل المثير حول قدرة هذه الطاقات الشابة على تفكيك جدار الانقسام الحكومي والجمود المؤسسي وبناء حوكمة محلية رشيدة تنطلق من القاعدة إلى القمة.

وتكتسب هذه التجربة الانتخابية الفريدة أهمية استثنائية في هذا التوقيت الحرج، حيث يتوجه ما يقارب 69 ألف ناخب وناخبة من الفئة العمرية بين 18 و35 عامًا للإدلاء بأصواتهم داخل 43 مركز اقتراع موزعة على 30 بلدية في مناطق غرب ليبيا ، ليعلنوا بصوت جهوري رفضهم التام لسياسات التهميش والمركزية الخانقة، والبدء الفعلي في صياغة حقبة تاريخية جديدة تضع حدًا نهائيًا لهيمنة الحرس القديم والتشكيلات المسلحة على مقدرات المدن، متسلحين بالوعي والإرادة الوطنية الخالصة لإعادة ترتيب البيت الليبي من الداخل وتطهير المؤسسات الخدمية.

جذور الأزمة الليبية المستعصية

وتأتي هذه التحركات الشبابية الواسعة بداخل لجان الاقتراع كدفاع شرعي ومدني في مواجهة أزمات ليبيا العميقة والمعقدة، وفي مقدمتها أزمة الانقسام الحكومي الحاد والانسداد السياسي المستمر الذي يمنع إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية العامة؛ مما أدى إلى غياب الاستقرار وتفشي الفوضى المؤسسية بداخل كافة ربوع البلاد، وهو الوضع المأساوي الذي استغلته الميليشيات والتشكيلات المسلحة المنفلتة لفرض نفوذها بالقوة وسرقة القرار الوطني وتعطيل مسارات التنمية بداخل المدن الليبية المنكوبة.

ولم تقتصر تداعيات هذا الانقسام السياسي على الجوانب الأمنية الفضفاضة فحسب، بل امتدت لتشمل التدخلات الأجنبية المستمرة واستقواء بعض الأطراف المتنازعة بالخارج على حساب المصلحة الوطنية العليا؛ مما أسهم في تدويل الأزمة وتحويل الأراضي الليبية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وهو ما يفسر الإقبال الملحوظ والوعي الكبير لشباب ليبيا اليوم على صناديق الاقتراع المحلية، باعتبارها الأداة السلمية الوحيدة لانتزاع الشرعية وتأسيس جيل سياسي جديد قادر على إنهاء التبعية وحماية مؤسسات الدولة من التفكك والانهيار التام.

الانهيار الاقتصادي الحاد في ليبيا

وإلى جانب المعضلات السياسية والأمنية، يواجه المواطن الليبي بداخل حياته اليومية أزمة اقتصادية طاحنة تبرز ملامحها بوضوح في النقص الحاد للسيولة النقدية بداخل المصارف التجارية، نتيجة مباشرة لحالة الانقسام المالي والتخبط الإداري الذي أصاب المصرف المركزي الليبي بخلال السنوات الماضية؛ مما أدى إلى تراجع القيمة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع جنوني في معدلات التضخم وأسعار السلع الأساسية، وهو ما زاد من وطأة المعاناة المعيشية على كاهل الأسر والشباب بداخل كافة البلديات.

وتتفاقم الأوضاع المجتمعية سوءًا مع استمرار أزمات تدهور البنية التحتية وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، ونقص إمدادات الوقود الحاد بداخل بلد يعد من أغنى الدول النفطية، فضلاً عن تفشي الفساد المالي والإداري بداخل المنظومات الخدمية، مما جعل المجالس المحلية الشبابية الجديدة ركيزة استراتيجية ومسارًا موازيًا يهدف إلى تقديم المشورة الفنية الفعالة للمجالس البلدية التقليدية، وصياغة سياسات اقتصادية وتنموية محلية مبتكرة تضمن ترشيد الإنفاق ومكافحة اقتصاد الظل ومحاربة الفقر والبطالة المستشرية.

دلالات الخريطة الرقمية لانتخابات الشباب

وتعكس لغة الأرقام الصادرة عن منصة “حكومتنا” الرسمية دلالات بالغة الأهمية حول جغرافيا التغيير ورغبة المدن الليبية في الخروج من نفق الفوضى، حيث تصدرت بلدية زليتن القائمة بواقع 7367 ناخبًا، تلتها بلدية بني وليد بـ 4672 ناخبًا، ثم مدينة مصراتة بواقع 4447 ناخبًا، وهي مناطق عانت تاريخيًا من ويلات النزاعات المسلحة والترتيبات الأمنية المعقدة، مما يجعل تصدرها اليوم لمعدلات الإقبال الانتخابي الشبابي مؤشرًا قويًا على تحول هذه الحواضر نحو خيار الاستقرار والتنمية والعمل المدني المنظم.

كما شهدت القوائم الانتخابية حضورًا نسائيًا لافتًا ومتميزًا بنسبة بلغت 35% من إجمالي الناخبين المسجلين بواقع 24 ألفًا و905 ناخبات، في مقابل 65% للذكور، وهو ما يبرز وعي المرأة الليبية بضرورة المشاركة الفاعلة في كسر الهيمنة التقليدية وإدارة الشأن العام، والتنافس الشريف عبر 117 قائمة تضم 1593 مرشحًا لتقديم حلول مستدامة للأزمات المحلية، مستندين إلى قرار مجلس الوزراء رقم 680 لسنة 2021 الذي وسع التجربة لتشمل كافة البلديات بعد نجاحها الأول في بلدية الجميل.

خطة وزارة الداخلية وضمانات المفوضية العليا لنزاهة الاقتراع

ولضمان نجاح هذا الاستحقاق الشبابي التاريخي وتأمينه من تهديدات الميليشيات المنفلتة، وضعت وزارة الداخلية بغرب ليبيا خطة أمنية استراتيجية موسعة وشاملة تضمنت تأمين كافة مراكز الاقتراع وخطوط الحركة بداخل البلديات المستهدفة.

حيث تابع وزير الشباب هيثم الزحاف بداخل غرفة العمليات المشتركة آليات التنسيق الميداني والانتشار الأمني المكثف لحماية الناخبين واللجان المشرفة، وإرسال رسالة قوية ومطمئنة للداخل والخارج بأن الدولة قادرة على فرض النظام وتحييد لغة السلاح.

وفي ذات السياق التنظيمي، أثمرت الشراكة الفنية الموسعة بين المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ووزارة الشباب عن تنفيذ برامج تدريبية مكثفة لأعضاء اللجان الفرعية لضمان تطبيق أعلى معايير النزاهة والاستقلالية والشفافية بداخل العملية الانتخابية.

وأكد المسؤولون، أن نقل هذه الخبرات الفنية يهدف لحماية أصوات الشباب من التزوير أو الضغوطات السياسية، مما يجعل نجاح هذه الانتخابات ركيزة أساسية لتحفيز بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات وإعادة إعمار المدن المتضررة، كخطوة حتمية لبناء الدولة الليبية المستقرة والحديثة.