في وقت تضيق فيه الخناق القانوني والأمني على تحركات جماعة الإخوان المسلمين المصنفة إرهابية في تنظيمات دولية متعددة، أطلقت الجماعة مناورة تسويقية وتنظيمية خبيثة ومعقدة للغاية تسعى من خلالها للالتفاف على قرارات الحظر المتلاحقة التي تستهدف تجفيف منابع تمويلها وشل أنشطتها الهادمة في العواصم الغربية والعربية.
وتعتمد هذه الحيلة الجديدة بشكل أساسي على فكرة “تغيير الجلد” وتفكيك الواجهات التقليدية المستهلكة أمنيًا وسياسيًا، والدفع بقيادات مجهولة تمامًا من الصفين الثاني والثالث ليتصدروا المشهد العام تحت ستار الأكاديميين المتخصصين في العلوم السياسية والإنسانية والاقتصادية لتضليل أجهزة الاستخبارات العالمية.
وجاءت الملامح التنفيذية لهذه الخطة السرية خلال الاجتماع الموسع والمفاجئ الذي عقده التنظيم الدولي للإخوان في مدينة لاهور الباكستانية خلال شهر نوفمبر الماضي، حيث أقرت القيادة العليا للجماعة وثيقة هيكلية شاملة تقوم على تأسيس كيانات موازية وجمعيات حقوقية وثقافية تبدو في ظاهرها مستقلة ولا علاقة لها بالفكر الإخواني.
واشترطت الجماعة في اختيار الوجوه الجديدة ألا يمتلك أصحابها أي سجل جنائي أو تصنيفات أمنية سلبية في دول أوروبا، مما يتيح لهم التحرك بحرية كاملة وإعادة بناء الشبكات المالية والدعوية المستهدفة والمخترقة طوال السنوات الماضية من قبل المراجعات الأمنية الدولية الصارمة.
وتزامن هذا التحول التنظيمي الخطير مع بدء الولايات المتحدة الأمريكية مراجعة شاملة وموسعة لكافة أنشطة الجماعة العابرة للحدود، وهي المراجعات الاستخباراتية التي أفضت بشكل فعلي حتى الآن إلى حظر أربعة من أبرز أفرع الجماعة ومؤسساتها الواجهية حول العالم.
هذا الضغط الدولي المتزايد أجبر “جبهة لندن” بقيادة صلاح عبد الحق على اتخاذ قرار عاجل باختفاء قيادات الصف الأول التقليدية تمامًا عن المشهد الإعلامي، والتواري عن الأنظار لتجنب الملاحقة القضائية، مع الإبقاء على حلمي الجزار كمشرف عام على المكتب السياسي والممثل العلني الوحيد لأي مفاوضات أو محادثات سرية محتملة مع أطراف رسمية.
صراع النفوذ والمال بين قيادات لندن
ولم يكن هذا المخطط التنظيمي مجرد استراتيجية دفاعية لمواجهة الأمن الدولي فحسب، بل إنه كشف عن مظهر صارخ وصادم من مظاهر الصراع الداخلي العنيف والانشقاقات المستمرة حول السيطرة على مفاصل التنظيم الدولي وموارده المالية الطائلة في القارة العجوز.
حيث قاد محمود الإبياري الأمين العام للتنظيم الدولي والمسؤول الأول عن قطاع أوروبا حملة تصفية داخلية شرسة أطاح من خلالها بالقيادات التاريخية، ونجح في فصل القطاع الأوروبي لرابطة الإخوان المصريين بالخارج عن الإدارة المركزية عقب خلافات عاصفة مع رئيس الرابطة السابق السعدني أحمد انتهت بإقالته وتهميشه بالكامل.
وبموجب هذا الانفصال التنظيمي تمكن الإبياري من إحكام قبضته الحديدية والمباشرة على الموارد المالية الضخمة وأموال الاشتراكات والتبرعات وعوائد الشركات والاستثمارات الواجهية المرتبطة بالإخوان في دول أوروبا بالكامل، واضعًا يده على ملفات شديدة الحساسية تتضمن بيانات الحسابات المصرفية السرية والشخصيات غير المنتمية للتنظيم التي تستغل في عمليات غسيل الأموال ونقلها بين الدول.
وقام الإبياري بتعيين القيادي أحمد حمدي مسؤولاً تنفيذيًا عن القطاع الأوروبي لضمان الولاء المطلق له، ومحاولة تشكيل كتلة ضغط تنظيمية قوية تضمن وصوله إلى منصب القائم بأعمال مرشد الجماعة خلفًا لصلاح عبد الحق المتوقع مغادرته المنصب نهاية العام الجاري.
وصيغت خطة “تغيير جلد الإخوان” وهندسة الوجوه الأكاديمية الجديدة بمعرفة الإبياري وبمشاركة مباشرة من القيادي العراقي أنس التكريتي الرئيس السابق لمؤسسة قرطبة الإخوانية المتمرسة في اختراق الأوساط السياسية البريطانية.
وشملت الترتيبات الجديدة إسناد رئاسة مكتب تركيا (الأكبر في الخارج) إلى القيادي عمرو طمان المنحدر من محافظة الفيوم, بينما تولى الباحث الإخواني عمار فايد رئاسة المكتب السياسي للتنظيم تحت الإشراف العام لحلمي الجزار, بهدف صياغة أوراق سياسية مضللة تقدم للمراكز البحثية الغربية لإعادة تسويق الجماعة كفصيل سياسي مدني يؤمن بالديمقراطية على عكس حقيقتها المتطرفة.
التخادم السري مع إيران واختراق الجامعات
ولا تتوقف حدود المناورة الإخوانية عند تغيير الأسماء والهياكل الإدارية بل تمتد لتشمل إعادة التموضع الجغرافي والبحث عن ملاذات آمنة وتحالفات مشبوهة, حيث تكشف المصادر المطلعة عن مشاورات متقدمة تجريها جبهة لندن لتعزيز التعاون والتخادم الاستراتيجي مع النظام الإيراني خلال المرحلة المقبلة.
وتخطط الجماعة للاستفادة القصوى من الدعم اللوجستي والمادي الذي يمكن أن تقدمه طهران وأذرعها في المنطقة، وذلك في مقابل قيام الآلة الإعلامية للإخوان وأبواقها المنتشرة في الخارج بتحسين صورة إيران في الشارع العربي والإسلامي وتخفيف الاحتقان الإقليمي ضد مشروعها التوسعي.
وعلى الجانب الآخر من خريطة التحركات الإخوانية تجري مناقشات مكثفة لاختيار رئيس جديد لبقية قطاعات رابطة الإخوان المصريين بالخارج (باستثناء أوروبا)، حيث استقرت النية على نقل المقر الرئيسي لإدارة هذه القطاعات إلى دولة جنوب أفريقيا التي باتت تشكل بيئة خصبة لتحركات عناصر التنظيم.

