في حلقة جديدة من مسلسل الانتهاكات الدامية التي تمزق الجسد السوداني وتضع البلاد أمام أسوأ كارثة إنسانية عرفها العالم المعاصر لعام 2026 الجاري، نفذت القوات الجوية التابعة للجيش السوداني مجزرة مروعة جديدة طالت المدنيين العزل في مدينة غبيش الواقعة بولاية غرب كردفان.
وجاء هذا الهجوم الغادر ليعيد تسليط الضوء على الإصرار المستمر من قِبل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان على استخدام الطيران المسير والقصف المدفعي العشوائي ضد التجمعات السكانية والأسواق الشعبية المكتظة، دون أدنى مراعاة للقوانين والمواثيق الدولية التي تحمي المدنيين في أوقات النزاع المسلح.
وأفادت مصادر طبية وشهود عيان لوكالات الأنباء العالمية بأن الهجوم الأخير، الذي نُفذ بواسطة طائرة مسيرة تابعة للجيش، استهدف بشكل مباشر مطعمًا شعبيًا وعربة وسط سوق المدينة الذي كان يعج بالمواطنين الباحثين عن لقمة العيش؛ مما أسفر عن مقتل 28 شخصًا على الأقل في حصيلة أولية مرشحة للارتفاع.
واستقبل مستشفى غبيش التخصصي عشرات الجثامين الممزقة بجانب أكثر من 23 جريحًا يعانون من إصابات خطيرة وحروق بالغة، في ظل نقص حاد يعانيه المرفق الطبي في الأدوية والمستلزمات الجراحية الأساسية نتيجة الحصار المفروض على الإقليم.
وأكد شهود عيان من قلب الحدث، أن القصف الجوي لم يضع أي اعتبارات لطبيعة المنطقة المستهدفة كمركز تجاري مدني يخدم آلاف الأسر النازحة والمقيمة، حيث تسببت الشظايا المتطايرة والانفجار العنيف في تدمير المطعم بالكامل فوق رؤوس رواده من الزبائن العزل، وتحويل أجسادهم إلى أشلاء متناثرة.
وتعكس هذه الواقعة المأساوية النمط العملياتي المتكرر الذي تعتمد عليه قيادة الجيش السوداني في إدارة معاركها، حيث يتم استهداف البنى التحتية والمرافق الخدمية والأسواق بذريعة وجود تجمعات لقوات الدعم السريع التي تسيطر على المدينة.
مسيرات البرهان العمياء وحصاد الموت
وتشهد مناطق كردفان المختلفة تصاعدًا حادًا ومرعبًا في وتيرة العمليات العسكرية منذ أن أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها الكاملة على إقليم دارفور المجاور نهاية العام الماضي، مما جعل مدن غرب وشمال كردفان مسرحًا رئيسيًا لضربات الجيش الانتقامية.
وباتت الهجمات بالطائرات المسيرة الصينية والإيرانية التي جلبها البرهان مؤخرًا المسيطر الأول على مجريات القتال اليومي، حيث تُطلق هذه الطائرات بشكل عشوائي فوق المدن والقرى لحصد أرواح الأبرياء دون القدرة على التمييز بين الأهداف العسكرية والمنشآت المدنية السكنية.
وتشير الإحصائيات الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة إلى أن الهجمات الجوية بالطائرات المسيرة التابعة للجيش تسببت في مقتل أكثر من 800 مدني في مختلف أنحاء السودان منذ مطلع العام الحالي فقط، وهو رقم قياسي يوضح حجم الاستهتار الرسمي بحياة المواطنين.
وتتكامل هذه الضربات الجوية مع سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها البرهان لتعويض الإخفاقات الميدانية المتتالية لقواته على الأرض، مما يدفع ثمنه المواطن السوداني البسيط الذي يجد نفسه محاصرًا بين نيران المدافع وصواريخ الطائرات المسيرة التي تلاحقه حتى في ملاذاته الأخيرة.
وأسفرت هذه الحرب العبثية والمستمرة منذ اندلاعها في أبريل من العام الماضي عن مقتل عشرات الآلاف من المواطنين، ونزوح ما يزيد عن 11 مليون شخص داخليًا وخارجيًا، في أزمة تصفها الهيئات الأممية بأنها الأضخم والأقسى على مستوى الكرة الأرضية.
وتتحمل قيادة الجيش السوداني المسؤولية الجنائية والأخلاقية المباشرة عن عمليات التهجير القسري الجماعي، حيث فر أكثر من 130 ألف شخص من مدن كردفان وحدها منذ اشتداد المعارك الأخيرة في أكتوبر الماضي هربًا من الموت القادم من السماء.
قفص الاتهام الدولي وتوثيق الانتهاكات
ولم تعد الجرائم التي يرتكبها الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان تخفى على المؤسسات الحقوقية الدولية، إذ تواتر التوثيق الصادر عن منظمة الهجرة الدولية ومفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لتأكيد ارتكاب انتهاكات ترقى إلى مرتبة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ويأتي قصف سوق غبيش ومطاعمها الشعبية ليرسخ قناعة المجتمع الدولي بأن العقيدة العسكرية المتبعة حاليًا من قِبل هيئة أركان الجيش تقوم على معاقبة الحواضن الاجتماعية والمدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرتها الإدارية.
ويجمع المراقبون للشأن السوداني على أن لجوء البرهان المكثف لسلاح الجو والمسيرات الانتحارية يعبر عن عجز عملياتي واضح في المواجهة الميدانية المباشرة، مما يدفعه إلى تبني خيارات تدميرية تهدف إلى إحداث أكبر قدر من الخسائر في صفوف المدنيين لإجبارهم على إخلاء المدن.
وتتسبب هذه السياسة في إحداث شلل كامل في الحركة التجارية والزراعية بأقاليم السودان الغربية، مما يهدد بدفع ملايين المواطنين نحو مجاعة حقيقية وشاملة بسبب تدمير الأسواق ومنع تدفق السلع الغذائية الأساسية بين الولايات.
وتتعالي الأصوات الحقوقية المطالبة بفرض حظر طيران كامل فوق الأجواء السودانية لحماية ما تبقى من أرواح الأبرياء، ومحاسبة عبد الفتاح البرهان والجنرالات الموالين له أمام محكمة الجنايات الدولية على المجازر اليومية المرتكبة.
إن دماء ضحايا مجزرة غبيش والأسواق السودانية ستبقى شاهداً حياً على بشاعة العنف الممنهج الذي يمارسه الجيش ضد شعبه، وتؤكد أن الاستمرار في هذا النهج العسكري الدموي لن يقود البلاد إلا إلى مزيد من التفتت والانهيار الشامل الذي يصعب تداركه في المستقبل القريب.

