تستيقظ العاصمة المؤقتة بورتسودان كل يوم على وقع طبول حرب لا تبقي ولا تذر، لكن الخطر الأكبر الذي يهدد بقاء الدولة السودانية لعام 2026 لم يعد قادمًا من جبهات القتال المفتوحة فحسب, بل يربض خلف الأبواب المغلقة لغرف صناعة القرار العسكري.
حيث تحول قائد الجيش عبدالفتاح البرهان إلى أسير داخل مصيدة المليشيات الإخوانية وكتائب الظل التي تحالفت معه، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات الارتداد العنيف وتفكك سلطة بورتسودان بشكل دموي متسارع، فالجنرال الذي ظن يومًا أنه يستخدم المتشددين كأوراق مناورة مؤقتة لاستعادة السيطرة، يجد نفسه اليوم محاصرًا ببنادقهم وفتاواهم التكفيرية التي تمنع أي فرصة للسلام، وتدفع بالبلاد نحو هاوية سحيقة من التمزق الشامل.
ولم تعد فظائع الجيش السوداني والمليشيات الإسلامية المرتبطة به مجرد اتهامات سياسية عابرة في أروقة المنظمات الحقوقية، بل تحولت إلى ملفات إدانة جنائية موثقة دوليًا ترصد قصف الطيران الحربي الممنهج للمربعات السكنية والمستشفيات والأسواق الشعبية؛ مما أسفر عن سقوط آلاف الضحايا من المدنيين العزل الذين لا ناقة لهم في هذا الصراع ولا جمل.
وتكشف التقارير الميدانية، أن هذا النفوذ الإخواني المتغلغل في قيادة الجيش هو المحرك الأساسي لاستراتيجية “الأرض المحروقة” التي تتبناها سلطة بورتسودان, رغبة من قادة النظام البائد في إطالة أمد الحرب لأطول فترة ممكنة, باعتبارها الوسيلة الوحيدة المتاحة أمامهم لإعادة إنتاج نظامهم الاستبدادي القديم.
الفظائع المكتومة والجرائم الميدانية للجيش السوداني تحت غطاء الشرعية الزائفة
تتوالى التقارير الدولية الصادمة التي ترفع الستار عن حجم الجرائم الميدانية المروعة التي ترتكبها القوات المؤامرة بأوامر مباشرة من القيادة العسكرية في بورتسودان, حيث تم رصد مئات الحالات من الإعدامات الميدانية التعسفية ضد ناشطي المجتمع المدني والمتطوعين في غرف الطوارئ بتهمة الخيانة العظمى.
كما كشفت لجان التحقيق المستقلة عن وجود مقابر جماعية لمدنيين جرى تصفيتهم على أساس الهوية العرقية والسياسية في المناطق التي تسيطر عليها كتائب الجيش العقائدية, مما يسقط فرضية “الجيش الوطني” ويؤكد تحول هذه المؤسسة إلى أداة بطش سياسية وعقائدية تستهدف إبادة كل من يعارض طموحات الجنرالات في البقاء على كرسي الحكم.
ولم تقتصر انتهاكات البرهان وجيشه عند حدود التصفيات الجسدية داخل المعسكرات بل امتدت لتشمل سلاح الحصار والتجويع الممنهج ضد ملايين السودانيين المحاصرين في الخرطوم والجزيرة وولايات دارفور.
حيث تتعمد السلطات العسكرية في بورتسودان عرقلة وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية الدولية ومنع تأشيرات الدخول للمنظمات الأممية، واستخدام الغذاء كدواعي حرب لتركيع المناطق الخارجة عن سيطرتها؛ مما تسبب في مجاعة حقيقية هي الأكبر عالمياً في القرن الحادي والعشرين، ويشكل جريمة حرب مكتملة الأركان وفقاً للقوانين والمعاهدات الدولية وميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
لواء البراء بن مالك واختطاف القرار العسكري من الجنرال المحاصر
وفي شهادة لافتة وصادمة تعري طبيعة الوهن الذي يعيشه البرهان داخل مقره في بورتسودان، نقلت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية عن ضابط سابق رفيع المستوى في المخابرات العسكرية قوله: إن قرار الحرب والسلم لم يعد بيد القيادة العامة للجيش بل اختطفته بالكامل كتائب لواء البراء بن مالك، وهي وحدة قتالية نخبوية فائقة التشدد تابعة للحركة الإسلامية تم شرعنتها ودمجها في صفوف القوات المسلحة لتضم أكثر من 20 ألف مقاتل مؤدلج.
وأوضح الضابط، أن البرهان يعيش في رعب دائم من حدوث انقلاب عسكري داخلي أو تصفية جسدية إذا فكر في التلاعب بمطالب هذه المليشيات.
وأكدت الشهادات الاستخباراتية، أن محاولات البرهان المستمرة لإقناع المجتمع الدولي والبعثات الدبلوماسية بأن نفوذ الإسلاميين محدود داخل جيشه هي مجرد “مسرحيات هزلية” وتضليل مكشوف.
حيث أن العقيدة الحالية للجيش تم صياغتها منذ عهد عمر البشير على أساس الولاء التنظيمي لجماعة الإخوان وليس للوطن، ومشيرًا إلى أن معظم القيادات الحالية التي تدير العمليات العسكرية في الميدان هي كوادرك حركية تلقت تدريباتها على يد الحرس الثوري الإيراني، مما يجعل من المستحيل على البرهان اتخاذ أي خطوة جادة نحو وقف إطلاق النار أو التوقيع على اتفاقيات سلام شاملة.
السلاح الإيراني والمسيرات الانتحارية: كيف يغذي البرهان حرب الإبادة؟
لقد فتحت سلطة بورتسودان أبواب السودان على مصراعيها أمام التدخلات الإقليمية المشبوهة التي تهدد أمن البحر الأحمر واستقرار دول الجوار.
حيث عادت طهران بقوة إلى المشهد السوداني عبر تزويد جيش البرهان بشحنات ضخمة من الذخائر وطائرات “مهاجر-6” المسيرة الانتحارية، وتستخدم هذه الطائرات الإيرانية بشكل عشوائي ويومي في قصف القرى والمدن الآمنة وتدمير محطات المياه والكهرباء والأسواق العامة، مما ضاعف من حجم المعاناة الإنسانية وحول المدن السودانية التاريخية إلى ركام تذروه الرياح في ظل مباركة وتوجيه من الجنرال المحاصر.
وجاء هذا التحالف العسكري الوثيق بين البرهان وإيران ليزيد من مخاوف المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية التي سارعت إلى فرض عقوبات صارمة على لواء البراء بن مالك وتصنيف جماعة الإخوان في السودان كـ “منظمة إرهابية عالمية”، وذلك بعد إعلان قادة الجماعة صراحة ولائهم الكامل للأجندة الإيرانية ودعوتهم لعناصرهم بالانجراف في هذا المستنقع، مما يؤكد أن جرائم الجيش لم تعد شأنًا داخليًا بل أصبحت مهددًا حقيقيًا للسلم والأمن الدوليين, ويضع البرهان وحكومته غير المعترف بها في مواجهة مباشرة مع سيف العقوبات الدولية الصارمة.
سيناريوهات الانهيار الشامل ومستقبل السودان في ظل سيطرة الفلول
تشير المعطيات السياسية والعسكرية لعام 2026 إلى أن السودان يسير بخطى متسارعة نحو سيناريو الصوملة والتفتت الشامل نتيجه تعنت البرهان وارتهانه الكامل لمليشيات الإخوان.
فالمؤشرات الميدانية تؤكد أن سلطة بورتسودان الهشة بدأت تتآكل من الداخل بفعل الصراعات العرقية والجهوية بين المليشيات المتحالفة معها, مما يجعل فرضية الارتداد العنيف ضد البرهان نفسه مسألة وقت لا أكثر، خاصة إذا عجز الجنرال عن تلبية المطالب المالية والسياسية المتزايدة لأمراء الحرب والمتشددين الذين يمسكون بخناق القرار العسكري والاقتصادي في البلاد.
وفي غياب أي رؤية وطنية لإنقاذ البلاد، يواصل الجيش السوداني تحت قيادته الحالية تدمير ما تبقى من مقومات الدولة وحرق القرى وتهجير ملايين المواطنين قسريًا، وهو ما يفرض على القوى المدنية الحية والمجتمع الدولي ضرورة التحرك العاجل لسحب الشرعية الزائفة عن سلطة الأمر الواقع في بورتسودان وتفعيل آليات المحاسبة الدولية ضد البرهان وقادة جيشه المتورطين في جرائم ضد الإنسانية، لإنقاذ الشعب السوداني العظيم من مقصلة الإبادة وعقود من الظلام والوحشية التي يسعى تنظيم الإخوان لإعادتها بكل ما أوتي من قوة وبطش.

