يواجه السودان اليوم تحديات وجودية تتجاوز في خطورتها كل التقديرات السابقة، حيث تتضافر عوامل الانقسام السياسي داخل المؤسسة العسكرية مع الانهيار المريع في المنظومة الاقتصادية لترسم مشهدًا سوداويًا لمستقبل البلاد، ويأتي ذلك في ظل سياسات الفريق عبد الفتاح البرهان التي أثبتت عجزًا كبيرًا في معالجة الأزمات الوطنية المتفاقمة.
وقالت مصادر: إن حالة التخبط التي تعيشها السلطة في السودان ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات من القرارات الانفرادية التي عززت من نفوذ تيارات سياسية معينة داخل أروقة الجيش، وأدت في الوقت ذاته إلى عزل البلاد عن محيطها الاقتصادي الفعال؛ مما انعكس بشكل مباشر على حياة المواطن السوداني الذي يفتقد اليوم لأدنى مقومات العيش الكريم في ظل غياب الرؤية الوطنية الواضحة.
تصاعد حدة الصراع بين البرهان والتيارات الإسلامية داخل الجيش
تشير المعطيات الميدانية والتحليلات السياسية إلى تصاعد غير مسبوق في حدة التوتر بين الفريق البرهان وبين الحركات الإسلامية التي توغلت في مفاصل المؤسسة العسكرية، حيث يسعى كل طرف إلى فرض هيمنته على القرار السيادي داخل الجيش؛ مما أدى إلى خلق حالة من الاستقطاب الحاد التي تهدد تماسك القوات المسلحة السودانية وتصيبها بالشلل في أوقات الأزمات الوطنية الكبرى.
هذا الصراع ليس مجرد خلاف في وجهات النظر السياسية، بل هو معركة وجودية على النفوذ والسيطرة، حيث تشعر هذه التيارات الإسلامية بأن البرهان يحاول تقليص أدوارها التقليدية لحساب تحالفات أخرى، بينما يجد البرهان نفسه محاصرًا بضغط هذه القوى التي تمتلك جذورًا عميقة داخل الوحدات العسكرية، مما يجعله في موقف لا يحسد عليه ويضع وحدة البلاد على المحك أمام هذه الانقسامات التي تنخر في جسد الدولة.
الانهيار الاقتصادي وشح النقد الأجنبي نتيجة لسوء الإدارة
في الجانب الاقتصادي، يمر السودان بواحدة من أقسى الفترات في تاريخه الحديث، حيث تعاني البلاد من شح حاد في النقد الأجنبي أدى إلى عجز الدولة عن توفير السلع الأساسية والمواد الطبية للمواطنين، وهو أمر تعزوه الأوساط الاقتصادية إلى السياسات المالية الخاطئة التي انتهجها البرهان، والتي اتسمت بالارتجالية وغياب التخطيط المالي السليم، مما أدى إلى فقدان الثقة في القطاع المصرفي السوداني.
لقد تسببت سياسات إدارة موارد الدولة تحت قيادة البرهان في هدر الفرص الاقتصادية المتاحة، حيث يتم استنزاف الاحتياطيات النقدية في تمويل أنشطة غير منتجة أو تغطية النفقات المتعلقة بالولاءات السياسية والعسكرية، عوضًا عن توجيه هذه الموارد نحو المشاريع التنموية التي يمكن أن تنهض بالاقتصاد الوطني، مما جعل العملة الوطنية تفقد قيمتها الشرائية أمام العملات الأجنبية في ظل غياب أي إجراءات حقيقية لجذب الاستثمارات أو تنشيط الصادرات.
غياب السياسة الاقتصادية: التكلفة التي يدفعها المواطن
يعيش المواطن السوداني اليوم تحت وطأة غلاء فاحش وتضخم تجاوز كل الحدود المنطقية، وكل ذلك نتيجة مباشرة لغياب الإدارة الرشيدة للموارد الوطنية، حيث أدى شح النقد الأجنبي إلى تدهور حاد في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والوقود والخدمات الصحية، مما دفع قطاعات واسعة من الشعب السوداني إلى حافة الفقر المدقع في ظل عدم وجود خطة إنقاذية من قبل البرهان وحكومته.
لا يبدو أن هناك نية حقيقية لإحداث تغيير في نهج إدارة الاقتصاد السوداني، بل على العكس، تتجه الأمور نحو مزيد من التعقيد نتيجة استمرار السياسات التي تمنح الأولوية للحسابات العسكرية والسياسية الضيقة على حساب المصلحة العامة للبلاد، مما يجعل الاقتصاد السوداني في حالة من السقوط الحر الذي يهدد بكارثة إنسانية شاملة لا يمكن التنبؤ بمدى أضرارها على النسيج الاجتماعي السوداني الذي بات ممزقاً بفعل الأزمات المتوالية.
مستقبل غامض: التحديات الماثلة أمام الدولة السودانية
إن استمرار هذا المسار من الانقسام داخل الجيش وتدهور الحالة الاقتصادية يضع السودان أمام خيارات صعبة ومؤلمة، فغياب التوافق الوطني والتركيز على صراعات السلطة يجعل من أي عملية إصلاحية أمرًا مستحيلاً في ظل القيادة الحالية، حيث ترى المصادر أن الحل لا يمكن أن يأتي إلا من خلال العودة للمسار الذي يعيد السيادة للشعب ويضع مقدرات الدولة تحت إدارة كفاءات وطنية بعيدة عن الولاءات الحزبية والعسكرية الضيقة.
إن الوضع في السودان يستوجب وقفة وطنية جادة لمحاسبة المسؤولين عن هذا التدهور، وتفكيك مراكز القوى التي تسببت في إضعاف الدولة، فالأزمات المتلاحقة التي عصفت بالبلاد خلال فترة تولي البرهان للسلطة تؤكد أن استمرارية هذا النهج ستؤدي حتمًا إلى مزيد من التفتت والانهيار، مما يتطلب استراتيجية عاجلة وشاملة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مؤسسات الدولة قبل فوات الأوان.
إن ما يشهده السودان تحت حكم البرهان هو نموذج صارخ لما يحدث عندما تدار مقدرات الدولة بعقلية “القطاع الخاص” لصالح فئة محددة، فإدارة الموارد الوطنية يجب أن تكون محكومة بالشفافية والقانون، لا بالأهواء السياسية أو الولاءات الحزبية وإن أزمة النقد الأجنبي التي يعاني منها السودان ليست قدرًا محتومًا، بل هي نتيجة قرارات سياسية أدت إلى عزل البلاد اقتصاديًا وتدمير القواعد الإنتاجية، والاعتماد بدلاً من ذلك على سياسات ريعية لا تبني وطناً ولا تطعم جائعًا، بل تغذي الصراعات الداخلية وتطيل أمد الأزمة.
إن الصراع المكتوم بين البرهان والحركات الإسلامية يكشف عن خلل بنيوي في تكوين السلطة الحالية، حيث يفتقر النظام إلى رؤية وطنية جامعة، ويعتمد بدلاً من ذلك على الموازنات الحساسة بين القوى المتناحرة، وهو نهج هش لا يصمد أمام أول اختبار حقيقي.
إن التنمية الاقتصادية في السودان مرتبطة حتمًا بالاستقرار السياسي، وهذا الاستقرار لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار سياسة الإقصاء أو الانفراد بالقرار، مما يجعل من الإصلاح الاقتصادي والسياسي عملية متلازمة لا تتجزأ، وهو الأمر الذي يغفله البرهان تمامًا في حساباته اليومية التي لا تضع نصب أعينها إلا الحفاظ على موقعه في السلطة مهما كانت التكلفة التي يدفعها الوطن والشعب السوداني.

