في غرف العمليات السوداء، حيث تلتقي براغماتية “الحرسيين” بأطماع ” الإخوان “، تولد أخطر معادلة لزعزعة استقرار الشرق الأوسط؛ معادلة تتجاوز صراع المذاهب لتتحد تحت راية “تفكيك الأوطان”.
لم يعد التحالف بين الحرس الثوري الإيراني وجماعة الإخوان مجرد تنسيق أمني عابر، بل تحول إلى “زواج ضرورة” أيديولوجي يهدف إلى محو حدود الدولة الوطنية وبناء كيانات موازية تقتات على الفوضى والدم.
إن هذا العناق المريب يمثل اليوم “الخطر الوجودي” الأبرز الذي يواجه الأمن القومي العربي، حيث تُسخَّر الأدوات الإرهابية لخدمة مشاريع توسعية إقليمية لا تفرّق بين هدم المؤسسات وتشريد الشعوب، مما يجعل كشف خبايا هذا “التحالف الهجين” ضرورة ملحة لفهم خريطة التهديدات التي تحيط بالعواصم العربية في لحظة تاريخية فارقة.
الجذور الفكرية المسمومة: من قطبية “المعالم” إلى ثورة “الخميني”
لا يمكن فهم عمق الجرائم التي يرتكبها تحالف “الحرسيين والإخوان” دون العودة إلى المنبع الفكري الذي ينهل منه الطرفان، حيث شكّل كتاب “معالم في الطريق” لسيد قطب حجر الزاوية في شرعنة العنف وتكفير المجتمعات الإسلامية ووصفها بـ”الجاهلية”. وهذا الفكر الصادم هو ذاته الذي استلهمه منظّرو الحرس الثوري الإيراني في بناء عقيدة الصدام مع الآخر، حيث يتقاسم الطرفان رؤية “خوارجية” تعيد إنتاج مفاهيم الجهاد بشكل منحرف لتوجيه السلاح إلى الداخل العربي بدلاً من الدفاع عن قضايا الأمة.
إن التنزيل الحرفي للنصوص وتجاهل السياقات التاريخية أنتجا بُنى سياسية متطرفة تتبنى منطق “الحاكمية” لإسقاط المؤسسات الوطنية، وهو ما يفسر حالة التناغم بين الميليشيات الموالية لطهران والخلايا الإخوانية في تبني خطاب تحريضي يهدف إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وإشعال الحروب الأهلية تحت دعاوى “إعادة أسلمة المجتمع”، وهي في الحقيقة دعاوى لتأسيس سلطة استبدادية تخدم مصالح التنظيم الدولي والنظام الإيراني.
مشروع “التمكين” وتفكيك الدولة: كيف تُبنى الكيانات الموازية؟
تعتمد استراتيجية الإخوان والحرسيين على مفهوم “التمكين” من خلال بناء قواعد نفوذ موازية لمؤسسات الدولة الشرعية، وهو ما يمثل طعنة في قلب السيادة الوطنية. فالجماعة، منذ تأسيسها عام 1928، لم تكن يوماً حركة دعوية خالصة، بل مشروعاً سياسياً يسعى إلى التغلغل في مفاصل الدول عبر “التنظيم السري” والعمل الاستخباراتي المشترك مع القوى الإقليمية.
إن هذه الجرائم التنظيمية تتجلى في إنشاء “دول داخل الدولة”، حيث يتم توظيف المال السياسي والسلاح المهرّب لإنشاء ميليشيات مسلحة ترهب الآمنين وتنازع الجيوش الوطنية في مهامها السيادية. وقد أدى هذا التغلغل المريب، في كثير من الساحات العربية، إلى عقود دامية من الصدام.
خطر الولاءات العابرة للحدود: عندما يصبح التنظيم خنجراً في خاصرة الوطن
يشكل الطابع “الأممي” لجماعة الإخوان والحرس الثوري تهديداً وجودياً لمفهوم المواطنة، حيث تضع هذه التنظيمات مصلحة “التنظيم الدولي” أو “المركز الإيراني” فوق مصالح الأوطان والشعوب.
إن تحول الجماعة إلى كيان عابر للحدود، بشبكات علاقات معقدة، يجعلها عرضة للاختراق والتوظيف من قبل قوى إقليمية تستهدف الأمن القومي العربي، حيث تعمل هذه الخلايا كـ”طابور خامس” ينفذ أجندات التخريب من الداخل. وإن جرائم التجسس وتهريب السلاح وتدريب العناصر الإرهابية في معسكرات خارجية تُعد أدلة دامغة على انحراف بوصلة هذه الجماعات بعيداً عن أي إصلاح سياسي، بل هي محاولات ممنهجة لكسر هيبة الدولة وتحويلها إلى مجرد ساحة للمقايضات الدولية، مما يجعل التحرك العربي الجماعي لحظر هذه الأنشطة ضرورة قصوى لحماية الأجيال القادمة من الوقوع في فخ الولاءات المزدوجة التي لا تجلب سوى الخراب والتشريد.
سقوط القناع: الضربات الأمنية وانحسار الدعم الإقليمي للتنظيم
تواجه جماعة الإخوان اليوم مرحلة هي الأخطر في تاريخها، حيث أدركت الدول العربية أن التهاون مع هذا الفكر المتطرف يعني فتح الباب على مصراعيه للتدخل الإيراني السافر.
وقد ساهمت الإجراءات القانونية والإدارية الحاسمة التي اتخذتها عواصم عربية كبرى، وتصنيف الجماعة تنظيماً إرهابياً، في تجفيف منابع التمويل وتقليص قدرة “الحرسيين” على استخدام ورقة الإخوان في المناورات السياسية. ومع ذلك، فإن التحالف يظل قائماً في “مناطق الظل”، حيث تختلط المصلحة بالأيديولوجيا لإدارة الصراعات عبر أدوات غير تقليدية، مثل الهجمات السيبرانية والإعلام المضلل الذي يسعى إلى شيطنة المؤسسات العسكرية العربية.
إن اليقظة الأمنية والفكرية هي السلاح الوحيد لتعرية هذا التحالف، خاصة بعد أن كشفت الأزمات المتلاحقة أن “ورقة الإخوان ” باتت خاسرة ومحترقة شعبياً، ولم تعد سوى عبء على أي طرف يتحالف معها، مما يدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة من استعادة زمام المبادرة الوطنية بعيداً عن التبعية للمشاريع المشبوهة.

