ذات صلة

جمع

هرمز يضغط على شريان طهران.. كيف قاد الإغلاق إلى انهيار اقتصادي متسارع في إيران؟

تحول إغلاق مضيق هرمز من ورقة ضغط جيوسياسية إلى عبء اقتصادي خانق على إيران، مع تصاعد كلفة الحرب وتراجع القدرة على تصدير النفط، المورد الرئيسي للعملة الصعبة. وبينما كانت طهران تراهن على استخدام المضيق كورقة ردع، وجدت نفسها أمام واقع مغاير، حيث تآكلت الإيرادات وتفاقمت الأزمات الداخلية، لتدخل البلاد مرحلة توصف بأنها الأخطر منذ سنوات.

اقتصاد ينكمش تحت وطأة الصراع والقرارات المتضاربة

خرجت إيران من الحرب وهي تواجه مشهدًا اقتصاديًا هشًا، تتداخل فيه آثار الدمار المادي مع اختلالات هيكلية عميقة. فالتقديرات تشير إلى خسائر ضخمة قاربت مئات المليارات، نتيجة توقف الصادرات وتعطل سلاسل الإمداد، إضافة إلى تراجع الاستثمار وتدهور البنية التحتية. ولم يعد الاقتصاد الإيراني قادرًا على امتصاص الصدمات، في ظل تضخم متسارع وانهيار غير مسبوق في قيمة العملة المحلية.

الريال الإيراني سجل مستويات قياسية من التراجع، في وقت تجاوزت فيه معدلات التضخم حدودًا حرجة، ما انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.

وتحولت الأجور إلى قيمة متآكلة، بينما ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل متسارع، لتدخل شريحة واسعة من المجتمع في دائرة الفقر.

وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن ملايين الإيرانيين مهددون بالانزلاق إلى ما دون خط الفقر، في ظل انكماش اقتصادي حاد.

ولا يمكن فصل هذا التدهور عن طبيعة إدارة الأزمة داخل النظام الإيراني، حيث برزت انقسامات بين أجنحة سياسية وأمنية حول كيفية التعامل مع التصعيد.
فبينما حاول بعض الساسة احتواء التداعيات، اتجهت مراكز القرار الأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، إلى تبني مقاربة أكثر تشددًا، ما أدى إلى تغليب منطق المواجهة على حساب الاستقرار الاقتصادي.

مجتمع تحت الضغط وعزلة تتسع إقليميًا

في الشارع الإيراني، لم يعد الانهيار مجرد أرقام، بل واقع يومي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة. فقدت آلاف الوظائف، وتوقفت مصانع، وتعرضت قطاعات حيوية مثل الطاقة والنقل لأضرار جسيمة، ما أدى إلى شلل جزئي في النشاط الاقتصادي.

ومع استمرار الضغوط، تغيرت أولويات المواطنين من تحسين مستوى المعيشة إلى البحث عن سبل البقاء.

النفط، الذي طالما شكل ركيزة الاقتصاد الإيراني، أصبح بدوره نقطة ضعف، في ظل صعوبات التصدير والعقوبات وتراجع القدرة اللوجستية. ومع إغلاق المضيق، تعقدت حركة الشحن بشكل غير مسبوق، ما حرم طهران من الاستفادة الكاملة من مواردها الطبيعية، وأدى إلى مزيد من الضغط على احتياطاتها النقدية.

على الصعيد الخارجي، تعمقت عزلة إيران، ليس فقط مع الغرب، بل أيضًا مع محيطها الإقليمي. فقد تراجعت مستويات الثقة مع دول الجوار، التي باتت تنظر إلى التحركات الإيرانية باعتبارها مصدر تهديد مباشر للاستقرار. هذا التراجع في العلاقات الإقليمية أغلق قنوات اقتصادية مهمة كانت تمثل متنفسًا جزئيًا للاقتصاد الإيراني.

في موازاة ذلك، لم تؤد الخسائر المتراكمة إلى مراجعة سياسية واضحة داخل طهران، بل على العكس، عززت من نفوذ التيارات الأكثر تشددًا، التي ترى في الصمود أولوية تتجاوز الكلفة الاقتصادية والاجتماعية.

وبهذا، باتت الدولة تدور في حلقة مفرغة، حيث يقود التصعيد إلى مزيد من الانهيار، بينما يمنع الانهيار نفسه أي تراجع سياسي.