ذات صلة

جمع

صرخة من بيروت.. كيف يدفع المدنيون اللبنانيون ثمن “حرب التضامن” مع طهران؟

بينما كانت شوارع بيروت تحاول لملمة جراح أزماتها الاقتصادية المتلاحقة، جاء أزيز الطائرات ودوي الانفجارات ليقطع حبال الأمل الرفيعة؛ فجأة، وجد اللبنانيون أنفسهم وقودًا لحرب لم يختاروا توقيتها، تحت شعار “التضامن” و”الإسناد” لساحات أخرى.

المشهد في لبنان اليوم لا يشبه أي وقت مضى، حيث لم يعد الدمار مجرد أضرار جانبية، بل أصبح “نموذجًا منظمًا” يعيد رسم جغرافيا الجنوب بالكامل.

وفي قلب العاصمة بيروت، ترتفع صرخة مكتومة لمواطنين يتساءلون في الغرف المغلقة قبل العلن، “لماذا يجب أن تتحول قرانا إلى رماد وتُهدم بيوتنا فوق رؤوسنا خدمة لأهداف تتجاوز حدود الوطن؟”.

إنها قصة وطن يغرق في الركام، ليس بسبب اعتداء مفاجئ فحسب، بل نتيجة انخراط في صراع محاور إقليمية جعل من لبنان الساحة الأكثر هشاشة والأغلى ثمنًا في معادلة الصراع بين طهران وتل أبيب.

تفكيك الجغرافيا اللبنانية.. عندما تتحول القرى إلى “امتداد من الرماد”

في جنوب لبنان، وتحديدًا في بلدات مثل بنت جبيل والخيام وميس الجبل، لم تعد صور الأقمار الصناعية تظهر ملامح الحياة التي كانت تميز هذه القرى الحدودية.

لقد طبقت القوات الإسرائيلية ما يسمى بـ”تكتيك الأرض المحروقة”، حيث تم محو أحياء كاملة وتسوية شوارع بالأرض، وهو ما وصفه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بـ”نموذج غزة”.

هذا الدمار الشامل يهدف إلى خلق “منطقة عازلة” خلف الخط الأصفر، مما يجعل عودة المدنيين إلى منازلهم ضربًا من المستحيل في المدى المنظور.

وبالنسبة للمواطن اللبناني، فإن هذا الركام ليس مجرد حجارة سقطت، بل هو ضياع لتاريخ وعمر قضاه في بناء منزله، ليجده قد تبخر في ليلة وضحاها نتيجة قرار “التضامن” الذي اتخذه حزب الله دون الرجوع إلى مؤسسات الدولة الرسمية، مما جعل السيادة اللبنانية مجرد حبر على ورق أمام فوهة المدافع.

الكلفة الإنسانية الباهظة.. نزوح المليون وضياع الهوية

لا يمكن اختصار الحرب في عدد الصواريخ أو الغارات، بل في وجوه النازحين الذين افترشوا حدائق بيروت والمدارس العامة.

أكثر من مليون نازح لبناني يعيشون اليوم حالة من التيه، بعد أن فقدوا سبل عيشهم وممتلكاتهم.

حكايات مؤلمة تخرج من مراكز الإيواء، مثل قصة نبيل سنبل، الرجل السبعيني الذي قضى عمره في مخبز ببنت جبيل، ليجد نفسه اليوم يطالب بـ”ربطة خبز” في بيروت.

هؤلاء المدنيون هم الضحايا الحقيقيون لـ”حرب التضامن”، حيث يجدون أنفسهم في مواجهة آلة عسكرية لا تفرق بين موقع عسكري ومنزل مدني، وفي الوقت نفسه يواجهون شعورًا بالخذلان من واقع سياسي جعل من بلدهم “صندوق بريد” لتبادل الرسائل النارية بين القوى الإقليمية؛ مما أدى إلى مقتل أكثر من 2600 شخص وتدمير بنية تحتية كانت هي الملاذ الأخير للاقتصاد المنهار.

الاقتصاد المنهار.. كيف قطعت الحرب شريان الحياة الأخير؟

قبل اندلاع شرارة هذه الحرب في مارس الماضي، كان اللبنانيون يصارعون من أجل البقاء في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث.

وجاءت الحرب لتجهز على ما تبقى؛ فقد دمرت الغارات الإسرائيلية الجسور الحيوية، ومحطات الوقود، والمصانع الصغيرة في الجنوب والضاحية؛ مما أدى إلى شلل كامل في حركة التجارة الداخلية.

إن استهداف “البنية التحتية المدنية” لم يكن مجرد صدفة، بل هو جزء من استراتيجية الضغط الأقصى التي تمارسها إسرائيل لإجبار البيئة الحاضنة على الانقلاب ضد خيارات الحرب.

ومع تمديد اتفاق وقف إطلاق النار حتى منتصف مايو 2026، يظل الأفق مسدودًا أمام إعادة الإعمار، حيث يرفض المجتمع الدولي تقديم المساعدات في ظل غياب سيادة الدولة الكاملة على قرار الحرب والسلم، مما يترك المدني اللبناني وحيدًا في مواجهة الجوع والركام.

اتفاق مايو 2026.. هدنة هشة وتحت ظلال المسيرات

رغم الوساطة الأمريكية والجهود الدولية التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار الحالي، إلا أن الواقع على الأرض يحكي قصة أخرى.

فإسرائيل ما تزال تمنح نفسها “حق الدفاع الضروري” لتنفيذ عمليات هدم وتفجير داخل الأراضي اللبنانية، متذرعة بوجود بنية تحتية لحزب الله.

وفي المقابل، يجد الجيش اللبناني نفسه في موقف معقد، حيث يُطلب منه الانتشار في مناطق تم تحويلها إلى “أرض محروقة”.
هذا التناقض الصارخ يجعل من الاتفاق مجرد فترة “ترقب قلقة” بدلاً من أن يكون بداية للتعافي.

المدنيون الذين حاولوا العودة إلى قراهم في الجنوب صدموا بوجود “الخط الأصفر” والوجود العسكري الإسرائيلي المكثف، مما يعزز القناعة بأن لبنان قد دخل مرحلة “الاحتلال المقنع” أو الحزام الأمني الدائم، وكل ذلك تحت غطاء الدفاع عن قضايا عابرة للحدود.

الغضب الصامت في لبنان.. هل اقتربت لحظة الحساب الشعبي؟

تحت الرماد اللبناني، يغلي غضب صامت تجاه السياسات التي رهنت مصير البلاد لمحاور إقليمية، وتحديدًا لإيران.

تتصاعد الأصوات في بيروت والجبل وحتى في بعض أوساط الطائفة الشيعية، متسائلة عن الفائدة الاستراتيجية التي حققها لبنان من هذه الحرب سوى الدمار والتشرد.

يرى الكثيرون أن حزب الله، بفتحه جبهة “الإسناد”، قد منح إسرائيل الذريعة الذهبية لتنفيذ مخططها القديم بتدمير القرى الحدودية وإقامة منطقة عازلة هذا الانقسام الوطني الحاد يهدد السلم الأهلي، حيث يشعر فريق واسع من اللبنانيين بأنهم “مخطوفون” في طائرة يقودها طيار ينتظر تعليماته من طهران، بينما يسقط الركاب “المدنيون” واحدًا تلو الآخر في هاوية الفقر والموت، دون وجود أي أفق لحل سياسي يعيد للدولة هيبتها وللمواطن كرامته.