تخيّل أن تقف في قلب الساحة الحمراء بموسكو، حيث تصدح المارشات العسكرية وتتحرك جحافل القوات الروسية احتفالاً بالنصر التاريخي على النازية، وفجأة، يخترق هذا المشهد المهيب صوت أزيز طائرة مسيّرة صغيرة قادمة من خلف الحدود.
هذا الكابوس لم يعد مجرد سيناريو سينمائي، بل أصبح واقعاً يؤرق مضاجع القادة في الكرملين مع اقتراب ذكرى التاسع من مايو لعام 2026.
ليلة الأحد الماضي، لم تنم موسكو هادئة، فقد استيقظ سكان شارع “موسفيلموسكايا” العريق في غرب العاصمة على وقع انفجار عنيف خلّفه ارتطام مسيّرة أوكرانية بمبنى سكني، وهو الحادث الذي لم يمر مرور الكرام، بل جاء كرسالة تحذيرية شديدة اللهجة تسبق العرض العسكري الأهم في روسيا بأيام معدودة، مما طرح تساؤلاً جوهرياً يهز أركان العاصمة الروسية: هل باتت موسكو عاجزة عن حماية سمائها في يوم عيدها الوطني؟
اختراق الحصن الروسي.. دلالات استهداف شارع “موسفيلموسكايا”
الهجوم الأخير الذي أعلن عنه رئيس بلدية موسكو، سيرغي سوبيانين، لم يكن مجرد حادث عشوائي، فمنطقة غرب موسكو، وتحديداً شارع موسفيلموسكايا، تضم مراكز حيوية ومجمعات سكنية لطبقة النخبة الروسية، واستهداف هذا الموقع يعني أن المسيّرات الأوكرانية باتت تمتلك القدرة على تجاوز كافة أحزمة الدفاع الجوي المحيطة بالعاصمة.
ورغم أن السلطات الروسية حاولت التقليل من شأن الحادث عبر التأكيد على عدم وقوع إصابات بشرية، إلا أن المشاهد التي بثت لدمار جدران الشقق السكنية وتحطم النوافذ بعثت بحالة من القلق والارتباك في الشارع الروسي.إن وصول مسيّرة انتحارية إلى هذا العمق يمثل اختراقاً أمنياً لا يمكن تبريره، خاصة وأن موسكو تُعد المدينة الأكثر تحصيناً بمنظومات “إس-400” و”بانتسير”، مما يشير إلى أن كييف بدأت تستخدم تكنولوجيا جديدة قادرة على التحليق على ارتفاعات منخفضة جداً للإفلات من الرادارات.
عرض النصر بلا عتاد ثقيل.. اعتراف ضمني بالخطر الداهم
في خطوة غير مسبوقة أثارت دهشة المراقبين العسكريين حول العالم، أعلن الكرملين أن العرض العسكري التقليدي في الساحة الحمراء لهذا العام لن يشارك فيه أي عتاد عسكري ثقيل أو آليات مدرعة، وهو القرار الذي وُصف رسمياً بأنه ناتج عن “مخاوف أمنية”.
هذا القرار يُعد اعترافاً ضمنياً من القيادة الروسية بأن تجميع الدبابات والمنظومات الصاروخية في مكان واحد مكشوف مثل الساحة الحمراء يمثل هدفاً مغرياً وسهلاً للمسيّرات الأوكرانية التي أثبتت جرأتها في الوصول إلى قلب موسكو.
إن غياب العتاد العسكري عن ذكرى 9 مايو يُفرغ العرض من قيمته الاستعراضية التي طالما استخدمها الكرملين لإظهار القوة العسكرية الروسية، مما يعكس حجم الضغط النفسي والميداني الذي تمارسه المسيّرات الأوكرانية “الرخيصة” على ترسانة الأسلحة الروسية “الثقيلة”. وتؤكد تقارير غربية أن هذا هو أول تقليص من هذا النوع منذ قرابة عقدين بسبب تهديد الضربات بعيدة المدى.
استراتيجية “نقل المعركة” الأوكرانية وتأثيرها على المزاج الروسي
منذ بداية العملية العسكرية الروسية في فبراير 2022، ظلت موسكو بعيدة نسبياً عن ويلات الحرب، لكن عام 2026 شهد تحولاً جذرياً في استراتيجية كييف التي انتقلت من الدفاع الصرف إلى الهجوم في العمق.
تؤكد السلطات الأوكرانية أن استهداف المواقع داخل روسيا ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتعطيل المجهود الحربي الروسي عبر ضرب المنشآت النفطية والمطارات العسكرية، وحتى المباني الحكومية في قلب العاصمة.
الهدف من هذه الهجمات هو كسر حالة “الاطمئنان الزائف” لدى المواطن الروسي، وإشعاره بأن الحرب التي تدور رحاها في دونباس قد تصل إلى باب منزله في أي لحظة. إن ضرب مبنى سكني في موسكو قبل عرض النصر بأيام هو رسالة سياسية مفادها أن الاحتفالات الروسية لن تكون بمنأى عن نيران الحرب التي اكتوت بها المدن الأوكرانية على مدار سنوات.
تحدي الرادارات.. كيف تتهرب المسيّرات من “قبضة” الدفاع الجوي؟
السؤال الذي يطرحه الخبراء والمتابعون على حد سواء: كيف يمكن لطائرة مسيّرة بدائية الصنع أحياناً أن تقطع مئات الكيلومترات وتصل إلى غرب موسكو دون اعتراض؟ الإجابة تكمن في طبيعة الحرب الجوية الحديثة، حيث تعتمد المسيّرات الأوكرانية على مسارات متعرجة ومناورات منخفضة الارتفاع، مستغلة التضاريس والمناطق العمرانية الكثيفة للاختباء من الرادارات الروسية الضخمة المصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المقاتلة.
بالإضافة إلى ذلك، يشير محللون إلى أن أوكرانيا بدأت في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في توجيه المسيّرات، مما يسمح لها بالعمل بشكل مستقل حتى في ظل التشويش الإلكتروني العنيف الذي تفرضه روسيا فوق سمائها، وهو ما يجعل من مهمة حماية الساحة الحمراء خلال عرض 9 مايو مهمة شبه مستحيلة دون إغلاق كامل للمجال الجوي وتعطيل كافة سبل الحياة في العاصمة.
رمزية 9 مايو ومحاولات “تعطيل الفرحة” في الساحة الحمراء
يمثل تاريخ 9 مايو بالنسبة لروسيا أكثر من مجرد ذكرى عسكرية، إنه الرمز الأوحد للوحدة الوطنية والانتصار على “النازية”، وهو ما يفسر سبب استماتة أوكرانيا في استهداف هذا التوقيت تحديداً.
يُذكر أن العام الماضي شهدت الأيام التي سبقت العرض محاولات أوكرانية عديدة لاستهداف موسكو، واليوم يتكرر المشهد بزخم أكبر وتقنيات أكثر تطوراً.
وإن استهداف موسكو في هذا الوقت يهدف إلى تحويل “يوم النصر” إلى “يوم قلق”، وإرغام الكرملين على اتخاذ إجراءات دفاعية محرجة، مثل إلغاء عروض الطيران أو تقليص عدد الحضور، مما يضعف الصورة الذهنية لروسيا كقوة عظمى لا تُقهر.
كما أن الكرملين اليوم يجد نفسه في مأزق؛ فإلغاء العرض يعني انتصاراً معنوياً لكييف، وإقامته كما هو معتاد يعني المغامرة بحدوث كارثة أمنية أمام عدسات الكاميرات العالمية.

