بينما تحاول الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي في ربيع عام 2026 رسم صورة “الدولة المستقرة” الجاذبة للاستثمارات الدولية والإقليمية، ينفجر من تحت الركام ملف “سجون الظل” أو المعتقلات السرية التي تديرها فصائل مسلحة خارج نطاق القضاء.
فخلف الأسوار العالية وفي المناطق التي توصف بـ “المحرمة أمنيًا”، يواجه آلاف المغيبين مصيرًا مجهولاً بعيدًا عن عين القانون، مما حول هذا الملف إلى “قنبلة موقوتة” تهدد بفرض عزلة دولية شاملة على العراق، حيث أصبحت المعركة اليوم ليست مجرد صراع على المناصب، بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرة “دولة المؤسسات” على بسط سيادتها فوق سلطة السلاح الذي يحمي هذه الزنازين المخفية التي تبتلع حقوق المواطنة.
خريطة سجون الظل.. أين يختفي المغيبون العراقيون في 2026؟
رصدت تقارير حقوقية واستخباراتية في نيسان 2026 استمرار وجود مراكز احتجاز غير قانونية في مناطق نفوذ الفصائل، وتعد منطقة “جرف الصخر” والحدود السورية العراقية من أبرز النقاط السوداء التي يُمنع حتى ممثلو الحكومة من دخولها.
وتؤكد الشهادات المسربة أن هذه السجون لا تخضع لإشراف وزارة العدل أو وزارة الداخلية، بل تُدار من قبل لجان أمنية تابعة لفصائل معينة، حيث يتم احتجاز المدنيين لسنوات دون توجيه تهم رسمية أو عرضهم على قاضي التحقيق.
هذه الممارسات تضع العراق في مواجهة مباشرة مع اتفاقية الأمم المتحدة لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، مما يعزز من فرضية تحول هذه المناطق إلى “ثقوب سوداء” قانونية تبتلع السيادة الوطنية وتضعف هيبة الدولة أمام المجتمع الدولي والمنظمات الأممية.
الاختبار الحقوقي.. حكومة علي الزيدي بين مطرقة واشنطن وسندان الفصائل
يجد رئيس الوزراء المكلف، علي الزيدي ، نفسه أمام معضلة حقوقية كبرى؛ فمن جهة تضغط واشنطن وبروكسل لإنهاء ملف الاختفاء القسري كشرط أساسي لرفع القيود المالية عن المصارف العراقية، ومن جهة أخرى يواجه الزيدي نفوذ الفصائل التي تعتبر هذه السجون جزءًا من “أمنها العقائدي” ومكتسباتها الميدانية.
والتقارير الدولية الصادرة في 2026 تشير بوضوح إلى أن استمرار وجود هذه المعتقلات ينسف مصداقية أي برنامج إصلاحي، فكيف يمكن لحكومة تدعي جلب رؤوس الأموال أن تضمن أمن الاستثمار وهي عاجزة عن ضمان أمن مواطنيها داخل حدودها الرسمية؟ هذا الانسداد دفع منظمات دولية للمطالبة بتشكيل لجنة تقصي حقائق أممية للدخول إلى جرف الصخر وغيرها من المناطق المغلقة التي تقع خارج سلطة القضاء المركزي.
الجرائم خلف القضبان.. شهادات حية تلاحق قيادات الفصائل دوليًا
لم تعد قصص التعذيب والانتهاكات داخل سجون الفصائل مجرد إشاعات، بل تحولت إلى ملفات قضائية توثقها منظمات مثل هيومن رايتس ووتش، حيث كشفت شهادات لناجين في مطلع عام 2026 عن أساليب تعذيب ممنهجة لانتزاع اعترافات أو لأغراض الابتزاز المالي والسياسي.
وهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وقد بدأت بالفعل جهات حقوقية في أوروبا برفع دعاوى قضائية تحت بند “الولاية القضائية الدولية” ضد قيادات في الفصائل بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وهذا المسار القانوني يمثل ضغطًا هائلاً على القوى السياسية المشكلة للحكومة، حيث باتت تخشى من شمول قادتها بعقوبات “ماغنيتسكي” التي تستهدف منتهكي حقوق الإنسان حول العالم، مما قد يؤدي إلى تجميد أصولهم ومنعهم من السفر دوليًا.
الاقتصاد والانتهاكات: لماذا يهرب المستثمرون من بيئة “الاعتقال الموازي”؟
هناك علاقة طردية بين ملف السجون السرية والانهيار الاقتصادي المتوقع في نيسان 2026؛ فالمستثمر الأجنبي أو الإقليمي يبحث عن “بيئة قانونية متوقعة”، ووجود قوى قادرة على اعتقال الأفراد خارج القانون يبعث برسالة مفادها أن العقود والضمانات الرسمية لا قيمة لها أمام سطوة السلاح المنفلت.
ومن هنا، فإن السجون السرية ليست ملفًا إنسانيًا بحتًا، بل هي “عائق استثماري” يحرم العراق من مليارات الدولارات التي يحتاجها لتمويل مشروع “طريق التنمية” وتجاوز أزمة البطالة المتفاقمة فالدولة التي لا تملك مفاتيح سجونها ولا تستطيع فرض رقابتها على كامل ترابها الوطني، ستجد صعوبة بالغة في إقناع المؤسسات المالية الدولية بجدوى الاستثمار طويل الأمد في مشاريع البنى التحتية الكبرى.
الصندوق الأسود.. هل يمتلك العراق الجرأة لإنهاء ملف المعتقلات السرية؟
إن إنقاذ العراق من العزلة الدولية يتطلب خارطة طريق شجاعة تبدأ باعتراف الحكومة بوجود هذه السجون والعمل على تفتيشها فورًا، وإن دمج الفصائل في الدولة أو عزلها يتطلب أولاً تصفية ملفاتها الحقوقية العالقة.
وترى مصادر سياسية، أن شهر مايو 2026 سيكون حاسمًا في مسيرة حكومة الزيدي؛ فإما أن يبدأ حملة فعلية لإغلاق هذه المعتقلات ونقل النزلاء إلى سجون وزارة العدل الرسمية لضمان محاكمات عادلة، أو أن تظل هذه السجون وصمة عار تلاحق العملية السياسية برمتها، وإن الفشل في فتح هذا “الصندوق الأسود” سيشرع الأبواب لتدخلات دولية وضغوط حقوقية قد لا تنتهي بفرض العقوبات الاقتصادية فحسب، بل قد تصل إلى وضع ملف حقوق الإنسان في العراق تحت الوصاية الأممية المشددة مرة أخرى.

