ذات صلة

جمع

فاتورة الدم.. كيف دفع استنزاف القوات الجيشَ السوداني نحو “تأجير” البنادق؟

بينما تتعالى أصوات المدافع في الخرطوم والولايات، تظهر خلف...

التحالف السري.. كيف تخدم ورقة “الإخوان” مشروع الحرس الثوري الإيراني في المنطقة؟

لطالما سعت الجمهورية الإيرانية، عبر أذرعها الضاربة المتمثلة في...

زواج المصالح المر.. كيف تطوع إيران “الإخوان المسلمين” لخدمة أجندتها الإقليمية؟

في دهاليز السياسة الشرق أوسطية، حيث تتشابك المصالح فوق جثث الأوطان، تبرز علاقة مشبوهة تثير الكثير من علامات الاستشهاد حول ماهية “الولاء الوطني” لدى جماعة الإخوان المسلمين، التي لطالما ادعت الدفاع عن قضايا الأمة بينما ترتمي اليوم في أحضان النظام الإيراني.

إن هذا “الزواج المر” ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج مسار تذبذب منذ عام 1979، حيث رأت طهران في التنظيم الدولي للإخوان أداة طيعة وعابرة للحدود يمكن توظيفها كـ “مخلب قط” لتعزيز نفوذها وصد العداء الغربي، ومع تحول الجماعة إلى تنظيم محظور في معظم العواصم العربية الكبرى مثل الرياض والقاهرة وأبوظبي.

وجدت في طهران “الملاذ الأخير” والداعم اللوجستي، إن القارئ المتأمل يدرك أن هذا التحالف ليس عقائديًا بقدر ما هو “تقاطع براغماتي” تتقدم فيه لغة المنافع والحسابات الظرفية على الثوابت المذهبية، مما يضع الجماعة في موضع التهمة التاريخية بالتحالف مع مشروع يسعى علانية لتصدير الثورة وتفتيت النسيج العربي من الداخل، في مفارقة جلية تكشف كيف يتم التضحية بسيادة الدول مقابل بقاء التنظيم.

منصة الانطلاق.. كيف تحولت طهران إلى غرفة عمليات لتوجيه عناصر الإخوان؟

لم يكن استلام الإخوان للسلطة في مصر عام 2012 سوى “الذروة” التي كشفت عمق التنسيق مع طهران، حيث كانت زيارة محمد مرسي لإيران بمثابة الضوء الأخضر لإعادة إحياء محور (القاهرة – طهران) على حساب العمق العربي، ولكن الفضيحة الحقيقية تتجسد فيما بعد عام 2013.

حيث تحولت العاصمة الإيرانية إلى مقر لاحتضان قيادات الجماعة الفارة والمطلوبة أمنيًا. وتكشف التقارير الاستقصائية عن اجتماعات سرية عُقدت في طهران وأخرى في تركيا عام 2014، جمعت بين مسؤولين بارزين في “فيلق القدس” وقيادات إخوانية، والهدف كان واضحًا: تحويل الجماعة إلى أداة لزعزعة الاستقرار في السعودية ومصر، وضخ الدعم للمليشيات الحوثية عبر استغلال نفوذ الجماعة في اليمن.

إن هذا الاحتضان ليس عملاً خيريًا، بل هو استثمار إيراني ذكي في عناصر تمتلك القدرة على التعبئة والتغلغل المجتمعي، مما يجعل الإخوان مجرد “بيادق” في رقعة شطرنج يحركها الحرس الثوري الإيراني لتحقيق حلمه التوسعي.

وحدة الأيديولوجيا.. “ولاية الفقيه” و”الحاكمية” كوجهين لعملة واحدة

يتوهم البعض، أن الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة قد يمنع التحالف بين الإخوان وإيران، إلا أن التدقيق في الأسس الفكرية يكشف عن تماهٍ مخيف في الأهداف النهائية، فمبدأ “الحاكمية” الذي أسس له سيد قطب يلتقي في منتصف الطريق مع مبدأ “ولاية الفقيه” الخميني، حيث يشترك الطرفان في رفض الدولة الوطنية الحديثة واعتبارها “طاغوتية” أو “جاهلية”، ويسعيان بدلاً من ذلك لإقامة كيانات عابرة للأوطان تحت مسمى “الخلافة” أو “الإمامة”، هذا التلاقي الفكري يوفر الغطاء الشرعي للتعاون البراغماتي.

حيث يصبح “العدو المشترك” مبررًا كافيًا للقفز فوق الخلافات التاريخية، إن طهران لا تنظر للإخوان كحليف متكافئ، بل كأداة ظرفية ضمن استراتيجية “تصدير الثورة”، بينما ترى الجماعة في النظام الإيراني فرصة لفك عزلتها الدولية وإعادة إنتاج نفسها كفاعل إقليمي يتجاوز الأطر المحلية نحو أجندة أممية مشبوهة تهدد كيان الدول العربية.

استهداف السيادة العربية.. الإخوان كأداة إيرانية لضرب الاستقرار المحلي

إن التقاطع الإيراني الإخواني يصطدم دومًا بحسابات الأمن القومي العربي، حيث تسعى إيران عبر أذرع الإخوان إلى استثمار الفراغات السياسية والتناقضات الداخلية في الدول المستهدفة، ففي اليمن، تم توظيف الجماعة لتشجيع القبائل على الالتفاف حول الحوثيين، وفي الأحواز، أعلنت الجماعة افتتاح أول فرع لها هناك في مناورة مكشوفة لتبادل الأدوار مع طهران.

هذا التشبيك الخطير يمنح إيران نفوذًا “ناعمًا” وقوة تعبئة داخل المجتمعات العربية لا تمتلكها مليشياتها المسلحة بشكل مباشر، مما يجعل المحذور هنا أكثر خطورة؛ إذ يختلط الفكر المتطرف بالقدرة على التحول إلى أداة في صراعات كبرى، إن الجماعة التي تدعي الوطنية لا تجد حرجًا في أن تكون “ورقة ضاغطة” بيد الحرس الثوري لمناوئة خصوم إيران التقليديين، مما يؤكد أن مصلحة التنظيم الدولي تتقدم دائمًا على مصلحة الوطن، وأن شعارات “القدس” و”المقاومة” ليست سوى لافتات لتمرير مشاريع الهيمنة الفارسية بلسان عربي.

مستقبل التحالف المشبوه.. هل يحقق الإخوان “حلم التمدد” تحت العباءة الفارسية؟

في ظل الضربات الموجعة التي تتلقاها الجماعة في معاقلها التقليدية، يبدو أن الارتماء الكامل في أحضان المشروع الإيراني هو الخيار الأخير للبقاء، لكن هذا الرهان محفوف بالمخاطر؛ فإيران لا تمنح الدعم دون مقابل، والمقابل هنا هو التبعية الكاملة والتحول إلى “وظيفة أمنية” تخدم التمدد الإقليمي لطهران، إن الاعتماد على الدعم المادي واللوجستي الإيراني قد يمنح الجماعة فرصة لإعادة إنتاج نفسها مؤقتًا، لكنه يحكم عليها بالخيانة التاريخية في وجدان الشعوب العربية التي ترى في التدخل الإيراني تهديدًا وجوديًا.

إن هذا النمط من العلاقات يعكس فهم طهران العميق لطبيعة الحركات العابرة للحدود، فهي تستخدمهم لاستنزاف الخصوم ثم تتخلص منهم عند انتهاء الحاجة، مما يجعل الإخوان في نهاية المطاف مجرد ضحية لمغامراتهم السياسية وبراغماتيتهم المفرطة التي أضاعت البوصلة الوطنية والدينية معًا.