ذات صلة

جمع

طهران في قبضة الضغوط.. الحصار البحري يضيق الخناق ويستنزف الاقتصاد الإيراني

تتسارع مؤشرات الضغط على الاقتصاد الإيراني مع تصاعد تأثير...

كيف أصبحت فرنسا المقصلة التاريخية لمخططات الإخوان في أوروبا؟

في قلب القارة العجوز، وبينما كانت العواصم الأوروبية تغط...

كيف أصبحت فرنسا المقصلة التاريخية لمخططات الإخوان في أوروبا؟

في قلب القارة العجوز، وبينما كانت العواصم الأوروبية تغط في نوم عميق تحت شعارات التعددية الثقافية، كانت هناك خيوط عنكبوتية تُنسج بصمت في ضواحي باريس ومدن ليون ومارسيليا. لم تكن تلك الخيوط سوى شبكات تغلغل تنظيم الإخوان المسلمين التي حاولت، على مدار عقود، بناء “مجتمع موازٍ” يضرب قيم الجمهورية في مقتل، إلا أن عام 2026 يمثل المحطة الأبرز في تحول فرنسا من “ملاذ آمن” سابق إلى “رأس حربة” عالمي يقود معركة استئصال هذا الفكر المنحرف.

فالمعركة لم تعد مجرد ملاحقة أمنية، بل أصبحت معركة وجودية يقودها الإليزيه لتجفيف منابع التحريض وضرب الهيكل المالي والعقائدي لهذا التنظيم الذي يتقن فن التخفي وراء واجهات العمل الخيري والحقوقي، مما يجعلنا نتساءل: كيف استطاعت فرنسا كشف الوجه القبيح للتنظيم وإجبار أوروبا على مراجعة حساباتها؟

سجل من الدم والتحريض: رصد جرائم الإخوان ضد قيم الدولة

إن المتأمل في تاريخ تواجد التنظيم الدولي في فرنسا يدرك أن “الجرائم” لم تقتصر على العمليات المادية فحسب، بل شملت “جريمة اغتيال العقل الجمعي” وتفتيت النسيج الوطني، حيث رصدت التقارير الاستخباراتية الفرنسية، لسنوات، كيف عملت أذرع التنظيم مثل (اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا) على غرس بذور الانفصالية، من خلال عزل الجاليات المسلمة في “غيتوهات” فكرية ترفض الاندماج وتؤمن بولاء مطلق للمرشد وليس للعلم الفرنسي.

وهذه الجريمة الفكرية كانت الممهد الأساسي لسلسلة من الاضطرابات التي شهدتها البلاد، حيث استغل التنظيم الحوادث الاجتماعية لتأجيج مشاعر الكراهية ضد مؤسسات الدولة، وتحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتحريض الممنهج الذي أدى، في نهاية المطاف، إلى حوادث طعن واعتداءات إرهابية استهدفت المعلمين ورجال الشرطة، مما كشف أن خطاب الإخوان هو “المختبر” الذي تُصنع فيه بذور التطرف العنيف.

سلاح القانون: كيف كسر “قانون الانفصالية” شوكة التنظيم؟

لم تقف الدولة الفرنسية مكتوفة الأيدي أمام هذا التمدد السرطاني، بل شنت هجوماً تشريعياً كاسحاً تمثل في “قانون تعزيز احترام مبادئ الجمهورية” أو ما يعرف بقانون مكافحة الانفصالية. هذا القانون لم يكن مجرد نص قانوني، بل كان “مشرط جراح” استهدف مباشرة العصب الحيوي للإخوان، من خلال فرض رقابة صارمة على التمويلات الخارجية التي تتدفق من جهات إقليمية معروفة بدعمها للتنظيم، ومنح السلطات صلاحيات واسعة لإغلاق المساجد والجمعيات التي تروج لخطاب الكراهية أو ترفض الالتزام بـ”ميثاق مبادئ الإسلام في فرنسا”.

وبفضل هذا القانون، تم حل عشرات الجمعيات الواجهة وتجميد أصول مالية ضخمة كانت تُستخدم لتمويل حملات “الأسلمة السياسية” وتجنيد الشباب، مما أدى إلى حالة من الشلل التام في مفاصل التنظيم الدولي الذي وجد نفسه، لأول مرة منذ السبعينيات، عارياً أمام القانون الفرنسي.

تجفيف المنابع المالية: ضرب الإمبراطورية المختبئة خلف العمل الخيري

تُعتبر الجرائم المالية من أخطر الملفات التي فتحتها باريس، حيث تبين أن التنظيم يدير شبكة معقدة من المطاعم، والمتاجر، ومكاتب العقارات، وجمعيات الإغاثة التي تجمع التبرعات تحت ستار مساعدة الفقراء، بينما تذهب الأموال لتمويل أنشطة سياسية وإعلامية معادية للدولة، وفرنسا اليوم تقود جهوداً أوروبية مشتركة لتعقب هذه الأموال وتصنيفها كأدوات لزعزعة الاستقرار.

ولم تكتفِ باريس بالداخل، بل ضغطت على المفوضية الأوروبية لوقف كافة المنح التي كانت تحصل عليها منظمات تابعة للإخوان تحت مسميات “مكافحة الإسلاموفوبيا”، مؤكدة أن هذه الأموال كانت تُستخدم، في الواقع، لشراء النفوذ داخل المؤسسات الأوروبية والضغط على صناع القرار لتبني سياسات تخدم أجندة التنظيم الدولي، وهو ما يفسر الانزعاج الشديد الذي أبدته قيادات الإخوان الهاربة في لندن وإسطنبول من الصرامة الفرنسية.

فرنسا والقيادة الأوروبية: تحجيم “الذئاب المنفردة” فكرياً

نجحت فرنسا في تحويل ملف الإخوان من شأن داخلي إلى قضية أمن قومي أوروبي، محذرة من أن التساهل مع “الإسلام السياسي” هو الذي يوفر البيئة الحاضنة للإرهاب المسلح، ومن خلال التنسيق مع دول مثل النمسا وألمانيا، استطاعت باريس بناء جبهة موحدة تتبادل المعلومات حول تحركات قيادات الصف الأول والثاني للتنظيم.

كما ركزت الاستراتيجية الفرنسية على “تأميم الفتوى” عبر إنشاء المجلس الوطني للأئمة، لقطع الطريق على الأئمة المستوردين من الخارج الذين يحملون أجندات إخوانية متطرفة. هذا التحرك الثقافي والعلمي كان بمثابة ضربة قاصمة لشرعية التنظيم الذي كان يقتات على الجهل بالدين الصحيح ليقدم نسخته المشوهة القائمة على الصدام مع الآخر، مما جعل المجتمع الفرنسي أكثر حصانة أمام محاولات الاختراق.