أصدرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقريرًا حقوقيًا صادمًا يوثق فصولاً جديدة من المعاناة الإنسانية الدامية في السودان، مسلطًا الضوء على تصعيد غير مسبوق في استخدام الطائرات المسيرة والغارات الجوية التي تنفذها القوات المسلحة السودانية والتي طالت المدنيين والأعيان الحيوية في مختلف الولايات.
وقد أثار هذا التقرير موجة من القلق الدولي العميق حيال اتساع رقعة الانتهاكات المستمرة للقانون الدولي الإنساني جراء العمليات العسكرية للجيش، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأممية من استمرار تدفق الأسلحة وتأثيرها المدمر على حياة ملايين السودانيين العزل الباحثين عن الملاذ الآمن وسط جحيم الصراع المشتعل.
تصعيد مرعب لضربات المسيرات: 306 قتلى ومئات الجرحى خلال ثلاثة أسابيع
وفي إحصائية رسمية مفزعة كشفت عنها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تم توثيق مقتل ما لا يقل عن 306 أشخاص وإصابة المئات بجروح متفاوتة الخطورة جراء الهجمات الواسعة والغارات الجوية التي شنتها القوات المسلحة السودانية بواسطة طائرات المسيرات خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الشهر الحالي وحده.
وأكد البيان الصحفي الصادر عن المفوضية أن هذه الضربات العنيفة لم تقتصر على الميادين العسكرية بل تجاوزتها لتطال بوحشية الأعيان المدنية الأساسية والبنية التحتية الحيوية، شملت المنازل السكنية المأهولة، والأسواق الشعبية المزدحمة، والمستشفيات والمراكز الصحية، ومواقع إيواء النازحين، فضلاً عن محطات توليد الكهرباء ومصادر المياه التي يعتمد عليها المدنيون في بقائهم اليومي.
إدانة أممية واسعة وتحذيرات حقوقية من تداعيات الغارات الجوية للجيش
وأدان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، بشدة هذا التصعيد الخطير في استخدام الطائرات المُسيّرة في أنحاء السودان، خصوصًا في ولايات كردفان ودارفور والنيل الأزرق والخرطوم، مشددًا في تصريحات موثقة على أن الاستخدام المتزايد لهذه الطائرات من قبل الجيش قد خلف خسائر بشرية مروعة ويمثل السبب الرئيسي في غالبية الوفيات المدنية المرتبطة بالنزاع خلال العام الجاري.
وجدد تورك دعوته الملحة والصارمة للقيادة العسكرية بالضرورة القصوى لاحترام التزاماتها القانونية والأخلاقية الواضحة والملزمة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها الامتناع التام عن توجيه أي هجمات مباشرة أو عشوائية ضد المدنيين والأعيان المدنية المحمية دوليًا.
استهداف ممنهج لمخيمات النازحين: مجازر غبيش والنهود بغرب كردفان
وسلط التقرير الأممي الضوء ببالغ القلق على نمط متكرر ومقلق تمثل في استهداف الغارات الجوية للجيش لمواقع النزوح التي تؤوي أشخاصًا سبق أن أُجبروا على الفرار القسري من ديارهم بسبب حدة القتال، مما أسفر عن ارتفاع حاد ومأساوي في أعداد الضحايا بين الفئات الأكثر هشاشة.
وفي الفترة الممتدة بين السادس والعاشر من تشرين الأول/أكتوبر، أسفرت هجمات دموية بمسيّرات نُسبت إلى القوات المسلحة السودانية استهدفت مراكز إيواء النازحين في مدينتي غبيش والنهود بولاية غرب كردفان، عن مقتل ما لا يقل عن 25 مدنيًا وإصابة 31 آخرين، كان في طليعتهم عدد كبير من النساء والأطفال الأبرياء.
استهداف المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية تحت ذريعة تمويل الحرب
وضمن الوقائع الدامية التي وثقتها المنظمات الحقوقية والأممية، أشار التقرير إلى خطورة الاستهداف المتكرر للمناطق الحيوية والمرافق الاقتصادي والخدمية، حيث أدت الغارات الجوية إلى تدمير واسع النطاق في البنية التحتية ومصادر رزق المواطنين العزل في عدة ولايات.
وأوضحت المفوضية أن استهداف المناطق ذات القيمة الاقتصادية أو الخدمية يثير مخاوف جدية بشأن الالتزام بقوانين الحرب، مؤكدة بشكل قاطع أن مساهمة أي أعيان أو مرافق في تمويل المجهود الحربي أو تقديم الخدمات لا يكفي بحد ذاته وفقًا للقانون الدولي الإنساني لاعتبارها هدفًا عسكريًا مشروعًا يبرر قصفها وتعريض حياة المدنيين للخطر.
الغارات الجوية على نيالا وتصاعد موجات القصف العشوائي
وأشار التقرير الحقوقي الدولي إلى بروز اتجاه مقلق للغاية يتمثل في اتساع رقعة القصف الجوي ليشمل المدن المكتظة بالسكان؛ حيث أسفرت الغارات الجوية المكثفة التي نفذتها القوات المسلحة السودانية على مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور عن وقوع خسائر فادحة في أرواح المدنيين وتدمير الممتلكات الخاصة والعامة.
وتؤكد هذه الوقائع الموثقة خطورة تحول العمليات العسكرية الجوية إلى أداة للتدمير العشوائي الذي يدفع ثمنه المدنيون وحدهم وسط غياب تام لأي رادع إنساني أو أخلاقي يوقف نزيف الدم المستمر وتدمير المقومات الحياتية للبلاد.
وشدد مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك على ضرورة أن تتصدى جهود السلام الدولية بجدية تامة للتدفق المستمر وغير المشروط للأسلحة التي تستخدمها القوات المسلحة، مع أهمية الضغط الفاعل لوقف نقل الأسلحة التي تُستخدم بتجاهل صارخ للقانون الدولي الإنساني.
وأكد تورك على حتمية اتخاذ خطوات فورية نحو التوصل إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار، مشددًا على أن أي تسوية سياسية يتم التفاوض بشأنها يجب أن تضع حقوق الإنسان في صلب اهتماماتها، وتستند حصرًا إلى مبدأ المساءلة الفعالة عن كافة الانتهاكات والتجاوزات واسعة النطاق المرتكبة، باعتبار ذلك السبيل الوحيد القابل للتحقيق نحو بناء سلام مستدام وحقيقي في السودان.

