الدولة الليبية مجددًا لتتصدر التقارير الدولية في واشنطن، بوصفها واحدة من أكثر ساحات الصراع تعقيدًا وخطورة على الأمن الإقليمي والدولي، حيث تحولت المؤسسات السيادية والرقابية الحساسة إلى رهائن في أيدي الميليشيات المسلحة وشبكات النفوذ الجهوي والسياسي.
وفي تطور دراماتيكي يعكس هشاشة الأوضاع وهوان السلطة الرسمية أمام سطوة السلاح، وجد المصرف المركزي الليبي وديوان المحاسبة أنفسهما في قلب عاصفة جديدة من الصراعات العنيفة والتدخلات غير القانونية، إثر قبول هيئة رئاسة مجلس النواب استقالة المحافظ ناجي عيسى وتكليف بديل عنه، بالتوازي مع اقتحام مسلحين مقر ديوان المحاسبة في طرابلس لفرض أمر واقع بالقوة الغاشمة.
ولا يقتصر هذا التصعيد الميداني والمؤسسي على مجرد خلاف إداري عابر، بل يكشف عن عجز بنيوي عميق في قدرة الجسم السياسي الليبي على تحييد مفاصل الاقتصاد والرقابة عن صراعات الفصائل المسلحة، مما ينذر بانهيار مالي وشيك يعصف بما تبقى من مقدرات الشعب الليبي المنهك بسنوات الفوضى والحروب العبثية التي أعقبت سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، وسط عجز دولي مستمر عن فرض حلول حاسمة وجذرية تنهي عبث الميليشيات.
أزمة المصرف المركزي: تداعيات استقالة ناجي عيسى وتكليف أبو خزام
وتتصاعد حدة التوتر المالي والنقدي في ليبيا مع عودة الصراع على قيادة المصرف المركزي إلى الواجهة، بعد إعلان هيئة رئاسة مجلس النواب قبول استقالة المحافظ ناجي عيسى مبدئيًا وتكليف فوزي مصباح أبو خزام، عضو مجلس الإدارة، بتسيير مهام المحافظ مؤقتًا، في خطوة فجرت موجة عارمة من الاعتراضات الرسمية والمؤسسية قادها المجلس الأعلى للدولة وإدارة المصرف ذاتها.
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى شهر أغسطس الماضي حين تقدم عيسى باستقالته ملوحًا بأسباب “حساسة” تتعلق بالضغوط الهائلة الممارسة عليه لتعطيل اتفاق الإنفاق الموحد، وإيقاف زيادات الرواتب غير المتناسبة مع الإيرادات الحقيقية، وإقرار إجراءات صارمة للحد من تهريب السلع والمحروقات وحماية الاحتياطيات النقدية الأجنبية من النزيف.
ورغم تداول تسجيلات مصورة توثق وصول أبو خزام إلى مقر المصرف لتسلم المهام عبر لجنة مشتركة، إلا أن الإدارة التابعة لناجي عيسى أصدرت بيانًا شديد اللهجة أعربت فيه عن بالغ استنكارها لدخول أطراف مسلحة وانتهاك حرمة مكتب المحافظ في غيابه، محملة الجهات الأمنية ووزارة الدفاع المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا الخرق المؤسسي الخطير ومهددة باتخاذ كافة الإجراءات القانونية لحماية الوثائق والمقرات.
اقتحام ديوان المحاسبة: سطوة السلاح وتوقيف العمل الرقابي في طرابلس
وفي مشهد يجسد هيمنة الميليشيات على القرار الإداري في العاصمة طرابلس، استمر توقف العمل تمامًا في مقر ديوان المحاسبة -أكبر جهاز رقابي ومالي في البلاد- إثر قيام مجموعات مسلحة باقتحام المبنى بالقوة لتمكين شخصية موالية من تولّي منصب وكيل الديوان، في تحدٍ سافر لكافة القوانين والأعراف المؤسسية.
وأدى هذا الاعتداء السافر إلى إعلان المؤسسة الرقابية تعليق كافة أعمالها ومهامها الرسمية إلى أجل غير مسمى، لحين توافر الظروف الأمنية الملائمة والآمنة التي تضمن لمدققي وموظفي الديوان أداء دورهم الرقابي بعيدًا عن الترهيب والتهديدات الجسدية المباشرة.
وتعكس هذه الحادثة الخطيرة مدى التغلغل الميليشياوي داخل مفاصل الدولة، حيث لم تعد التعيينات تخضع للكفاءة أو المعايير القانونية، بل أصبحت ثمنًا لتقاسم النفوذ ومنح الغطاء المالي والسياسي للفصائل المسلحة التي تسيطر على طرابلس، مما يفرغ الهيئات الرقابية من مضمونها ويفتح الباب على مصراعيه لعمليات نهب واسعة للمال العام وغياب تام لأي رادع قانوني ومحاسبي.
كما كشفت التحديثات الحقوقية الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والمفوضية السامية لحقوق الإنسان لعامي 2025 و2026، أن استمرار الصراع على المصرف المركزي وديوان المحاسبة أدى إلى تجميد مشاريع البنية التحتية وتعطيل صرف مرتبات مئات الآلاف من الموظفين لفترات متقطعة، بالإضافة إلى توثيق أكثر من 450 حالة انتهاك جسدية واختطاف استهدفت موظفي القطاع المالي والرقابي لإجبارهم على التوقيع على عقود وهمية.
وتؤكد هذه التقارير أن غياب المساءلة الدولية والإفلات المستمر من العقاب يشكلان الوقود الرئيسي لاستمرار سيطرة عصابات السلاح على مقدرات الشعب الليبي.
الإدانات الدولية الواسعة: تحذيرات أمريكية وأوروبية من تقويض المؤسسات
أثارت التطورات الأخيرة موجة إدانات دولية ودبلوماسية واسعة النطاق، تعكس قلق العالم العميق إزاء انهيار ما تبقى من هيبة مؤسسات الدولة الليبية.
وفي هذا السياق، أصدرت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، بالتنسيق مع سفراء 27 دولة أوروبية، بيانًا مشتركًا حادًا دانت فيه بأشد العبارات اقتحام مقر ديوان المحاسبة، داعية إلى الإنهاء الفوري لأي وجود مسلح داخل المؤسسات المدنية والرقابية، ومشددة على ضرورة تسوية الخلافات السياسية والتعيينات القيادية عبر الأطر القانونية والمؤسسية البحتة دون ترهيب.
وقبل الموقف الأوروبي، عبرت الولايات المتحدة الأمريكية عن قلقها البالغ إزاء استخدام القوة المسلحة لفرض التغييرات الإدارية، مؤكدة على لسان مسؤوليها أن استقلال وحياد المؤسسات السيادية الليبية يمثل ركيزة أساسية لا غنى عنها لتحقيق الاستقرار ومنع انزلاق البلاد نحو مجاعة مالية شاملة.
وتؤكد هذه المواقف الدولية، أن استمرار العبث الميليشياوي بالمصرف المركزي وديوان المحاسبة يضع قادة الانقسام أمام مسؤوليّة تاريخية عن تدمير مقومات الدولة، ويستوجب فرض عقوبات فردية وجماعية صارمة على المعرقلين والمتورطين في زعزعة الاستقرار المالي والأمني لليبيا.

